وعلى هذا النحو كانت قوة الصورة التشبيهية في المركب الإضافي نابعة من هذه العلاقة التلازمية بين المضاف والمضاف إليه اللذين يمثلان طرفيْ الصورة التي تقنع من عناصرها بهذين الطرفين بيد أن ثمة صورة أخرى من صور التشبيه البليغ تكون فيها القوة التشبيهية بين الطرفين قد بلغت مداها، وهذه الصورة هي مجيء المشبه به على هيئة المصدر للمشبه، وقد عدها ابن الأثير من محاسن التشبيه في قوله:"واعلم أن محاسن التشبيه أن يجيء مصدريًّا، كقولنا: أقدم إقدام الأسد، وفاض فيض البحر، وهو أحسن ما استعمل في باب التشبيه" [1] ، ويمكن لنا أن نبين عن حسنها وقوتها من خلال تحليل أبياتها عند شعراء الصنعة، يقول أوس [2] :
وَدِّعْ لَمِيسَ وَدَاعَ الصَّارِمِ اللاَّحِي=إِذْ فَنَّكَتْ فِي فَسَادٍ بَعْدَ إِصْلاَحِ
فهو يشبه الوداع الذي يأمر به نفسه ناصحًا بوداع القاطع الهاجر المصر على قطعه وهجره، وهنا نلحظ جمال الصورة التشبيهية وفنيتها؛ لأنها اتكأت على بعض الوسائل الفنية منها: أنه لجأ إلى الإيجاز بحذف عناصر الصورة واكتفى منها بالطرفين، مع حذف المشبه الأصلي المصدر وداع، إذ التقدير: ودِّع وداعًا؛ للإيجاز ونفيًا للتكرار الذي قد يثقل البنية الصوتية للصورة ولأن ذكره وسيلة إيضاح للفعل المذكور وتأكيد له. ومنها القيمة الإيقاعية التي ينتجها الترديد الصوتي بين الطرفين، ويقول زهير [3] [طويل] :
أَبَتْ ذِكَرٌ مِنْ حُبِّ سَلْمَى تَعُودُنِي=عِيَادَ أَخِي الْحُمَّى إِذَا قُلْتُ أَقْصَرَا
فهو يشبه عيادة ذكَرُ حب سلمى له بعيادة الحمى للمحموم بين آنٍ وآخر وهنا نلمح الأثر النفسي الذي تتركه هذه الذكر في نفسه؛ لأن قوة العلاقة بين المشبه: تعودني، والمشبه به: عياد أخي الحمى تؤكد على هذا الأثر النفسي، وقد حذف المصدر المشبه واكتفى بفعله، لأن المحذوف وسيلة تأكيد وإيضاح تكفل الفعل والمصدر المشبه به بإنتاج إيحاءاته، ويقول كعب [4] [بسيط] :
تَنْجُو نَجَاءَ قَطَاةِ الْحَيِّ أَفْزَعَهَا=بِذِي الْعِضَاهِ أَحَسَّتْ بَازِيًا طَرَقَا
فهو يشبه سرعة ناقته بسرعة القطاة عند هربها من البازي ونلحظ قيمة التجانس الصوتي بين المشبه تنجو والمشبه نجاء، مع أنه يتحدث عن سرعة الناقة، إلا أنه آثر هذا التجانس الصوتي؛ ليكون أعون على قوة التشابه وتمثل صورة الناقة في سرعتها.
ويقول الحطيئة [5] [طويل] :
(1) 123 - ابن الأثير: المثل السائر - سابق - 1/ 379.
(2) 124 - ديوان أوس ص 13 - [بسيط]
(3) 125 - شعر زهير ص 239.
(4) 126 - ديوان كعب ص 174.
(5) 127 - ديوان الحطيئة ص 3.3، خشاش الطير: صغارها، أجدل: الصقر