الصفحة 24 من 63

يقول أوس [1] [طويل] :

وَصَبَّحَنَا عَارٌ طَوِيلٌ بِنَاؤُهُ=نُسَبُّ بِهِ مَا لاَحَ فِي الأُفْقِ كَوْكَبُ

إن أصل البنية اللغوية للصورة التشبيهية في الصدر: العار بناء طويل ولكن الشاعر استعاض عن هذا المركب الخبري بالإضافي بناؤه، حيث أضاف المشبه به إلى المشبه الضمير العائد على العار؛ بغية تجسيده - وهو مدرك عقلي - في صورة حسية لا يستطيع الشاعر ولا قومه الفكاك منه، وتلك فائدة التشبيه: الوضوح والبيان، فهو"يخرج المبهم إلى الإيضاح والملتبس إلى البيان ويكسوه حلة الظهور بعد خفائه، والبروز بعد استتاره" [2] ويقول زهير [3] :

حِيَاضُ الْمَنَايَا لَيْسَ عَنْهَا مُزَحْزَحٌ ... فَمُنْتَظِرٌ ظِمْئًا كَآخَرَ وَارِد

فالمشبه به الحسي: حياض جاء في موقع المضاف، والمشبه العقلي: المنايا جاء في موقع المضاف إليه، والقيمة الفنية هي تجسيد المنايا في صورة الحياض المورودة يستوي أمامها المحبوس عنها إلى حين والوارد الذي يردها، إذ الكل في نهاية الأمر واردها، وكذلك المنايا.

وهذه الصورة التشبيهية من المركب الإضافي لتشبيه المنايا أو الموت بالحياض نجدها عند كعب في صورة تحمل شيئًا من المفارقة بينها وبين صورة زهير، يقول كعب [4] [بسيط] :

لاَ يَقَعُ الطَّعْنُ إِلاَّ فِي نُحُورِهِمُ ... مَا إِنْ لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ

فهو يمدح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالشجاعة والثبات في أرض المعركة ومواجهة العدو ولذلك تصيب الرماح نحورهم وليس ظهورهم؛ لأنهم يدركون حتمية الموت حيث الشهادة التي يؤملون، وهنا ندرك الفرق بين صورة زهير السابقة وصورة كعب، حيث أفرد كعب الموت في حين أن زهيرًا جمعه، والإفراد دال على أن الموت وإن تعددت صوره. ويقول الحطيئة [5] [طويل] :

أَحَلُّوا حِيَاضَ الْمَوْتِ فَوْقَ جِبَاهِهِمْ ... مَكَانَ النَّوَاصِي مِنْ وُجُوهِ السَّوَابِق

فهو يمتدح هؤلاء القوم بالشجاعة وعدم الخوف من الموت، إذ يضعون حياضه فوق جباههم؛ لتكون علامة عليهم، أو غرة في جباههم مثلما كانت ناصية الخيل السوابق دالة على شهرتها.

(1) 118 - ديوان أوس ص 6.

(2) 119 - العلوي: الطراز - سابق - 1/ 277.

(3) 12.- شعر زهير ص 236 - [طويل]

(4) 121 - ديوان كعب ص 42.

(5) 122 - ديوان الحطيئة ص 331.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت