الصفحة 55 من 63

صورة الطلل:

ارتضت التقاليد الشعرية الموروثة عند العرب القدامى أن تكون المقدمة الطللية جزءًا أساسيًّا من بنية القصيدة العربية القديمة، وإذا كان مؤرخو الأدب ونقاده قد اختلفوا حول نشأة الشعر العربي وأولياته، فإنهم قد اختلفوا كذلك في المقدمة الطللية وأول من بدأها هل هو المهلهل أم ابن حزام أم امرؤ القيس [1] ، وقد كان ثمة إجماع على أن امرأ القيس قد فتح على الشعراء العرب أبوابًا كثيرة في الإبداع الشعري كان من بينها المقدمة الطللية.

كانت إشارة ابن قتيبة إلى نظام القصيدة العربية دالة على المكانة التي تشغلها المقدمة الطللية من بنيتها، فقد قال إن:"مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق؛ ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها" [2] وهي إشارة تستدعي العلاقة السببية بين البنى المكونة للقصيدة و الترابط والاتحاد بين أجزائها.

كما يمكن أن نلمح إشارة ابن قتيبة إلى دور العامل النفسي في تكون المقدمة الطللية، حيث تقوم الأطلال بدور المثير الذي يستثير شجون الشاعر وذكرياته، وتقوم دموعه وعبراته بالتعبير الحسي عن هذه الاستثارة فاللوحة الطللية تؤدي"وظيفة خلق هذا الجو الشعري الذي يمنح الشاعر القدرة على القول؛ لأنه يصبح في حالة معاناة شعرية حادة تمده بالمشاعر التي تمكنه من التنفيس عن كل ما يحتبس في نفسه من الإحساسات، ويدور في ذهنه من الأفكار" [3] وهو ما يؤكد على"أن الشعراء الجاهليين كانوا صادقين في تصوير انفعالاتهم بآثار الديار وموكب الارتحال، فذلك تعبير عن مشاعر حقيقة للنفس البشرية في هذه المواقف" [4] .

وربما رجعت علة المقدمة الطللية إلى فكرة القلق والحيرة المسيطرة على الشاعر الجاهلي بسبب تفكيره الدائم في ثنائية الحياة/ الموت والمصير الإنساني [5] ومع ذلك تظل اللوحة الطللية مظهرًا من مظاهر تأثير البيئة الجاهلية على إنسانها، فهي بيئة بدوية ديدنها تنقل أهلها وارتحالهم من مكان إلى آخر، ومن ثم فهذه اللوحة الطللية"تعبير عن تلك الظاهرة الطبيعية في المجتمع البدوي، ظاهرة الحركة التي كانت نتيجة طبيعية للتفاعل الحتمي بين البيئة والحياة" [6] وذلك ما يقترب بنا من الصورة العامة التي رسمها الشعراء الجاهليون للأطلال فقد صوروها حية نابضة بمظاهر الحركة والحياة التي تبدو في اقتران صورة الطلل بالماء والحيوانات والألوان المختلفة والدعاء بالنعمة والسقيا من الشاعر المتأمل فيها.

وبالرغم من مكانة اللوحة الطللية في القصيدة القديمة، فإن عدة أبياتها في كثير من الأحيان لا تكاد تجاوز أصابع اليد، وإن زادت فلا تكاد تصل إلى عدة أصابع اليدين، ومن قبيل الحالة الأولى كانت

(1) 251 - د/ حسين عطوان: مقدمة القصيدة الجاهلية ص 73 - 8 ..

(2) 252 - ابن قتيبة: الشعر والشعراء - سابق - 1/ 74.

(3) 253 - د/ نوري حمودي القيسي: الطبيعة في الشعر الجاهلي ص 261.

(4) 254 - د/ علي الجندي: في تاريخ الأدب الجاهلي - سابق - ص 335.

(5) 255 - لتفسير المقدمة الطللية: د/إبراهيم عبد الرحمن: الشعر الجاهلي ص 247 - 255

(6) 256 - د/ يوسف خليف: دراسات في الشعر الجاهلي ص 123 - دار غريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت