اللوحة الطللية عند أوس، ففضلًا عن قلة أبياتها، نجد مرات استخدامه إياها قليلة إذا ما قورن بالآخرين، وذلك ما يوضحه الجدول التالي:
الشاعر ... مرات الاستخدام ... عدد الأبيات
أوس ... 4 ... 1.
زهير ... 11 ... 42
كعب ... 6 ... 2.
الحطيئة ... 7 ... 23
وإلى جانب هذه القلة نجد أن أطول مقدمة طللية عنده قد بلغت خمسة أبيات، في حين بلغت عند الشعراء الثلاثة الباقين سبعة أبيات، وربما كانت هذه القلة سببًا في خفوت الجانب الوصفي للأطلال عند أوس رغم تميزه بوصف السلاح والحر والحيوان والسحاب، وغير ذلك يقول أوس من بائيته الأولى عن بقايا ديار تماضر [1] :
شَبَّهْتُ آيَاتٍ بَقِينَ لَهَا ... فِي الأَوَّلِينَ زَخَارِفًا قُشُبَا
تَمْشِي بِهَا رُبْدُ النَّعَامِ كَم ... تَمْشِي إِمَاءٌ سُرْبِلَتْ جُبُبَا
فقد اتكأ على أسلوب التشبيه ليصور العلامات التي بقيت من ديارها، فهي تشبه الزخارف أو النقوش الجديدة التي لم تندثر، ويبدو أنها علامات متباعدة فيما بينها؛ لأنها غدت مسرحًا يمشي به النعام الأربد اللون في مشية شبيهة بمشية الجواري وقد ارتدين الثياب المعروفة بالجبب، وهذا هو الوصف الحركي الذي تضمه هذه اللوحة إلى جانب عنصر اللون الذي يبدو في الزخارف القشيبة وربد النعام بيد أن عنصر الصوت يكاد يختفي إلا ما تستدعيه مشية الحيوانات من صوت ملازم للحركة.
وبرغم خفوت الجانب الوصفي في مثل هذه اللوحة إلا أننا لا نعدم وجود العامل النفسي، أو الأثر النفسي الذي يتركه المكان / الأطلال والرسوم في قلبه، فهو يقول في بيت واحد [2] :
هَلْ عَاجِلٌ مِنْ مَتَاعِ الْحَيِّ مَنْظُورُ ... أَمْ بَيْتُ دُومَةَ بَعْدَ الإِلْفِ مَهْجُورُ
فالأثر النفسي الذي يتركه المكان الخالي من أصحابه هو ما يشير إليه السؤال الدال على الرغبة المسيطرة على نفسه في إدامة النظر إلى متاع أهل الحي، ثم تردف هذه الأمنية بِحَيْرة مقلقة ينتجها الاستفهام في المصراع الثاني، وهو استفهام يستدعي الإجابة بالنفي أو الإثبات وكلاهما مما يبعث على حيرة الشاعر وقلقه من هذا الهجر الذي أصاب المكان بعد ارتحال الإلف عنه.
وإذا كان زهير قد قصّ أثر أستاذه أوس في كثير من المناحي الإبداعية، وكانت"الخاصة المشتركة بينه ? أوس وبين تلاميذه ومنهم زهير إنما هي قبل كل شيء مذهبه الشعري في الوصف" [3]
(1) 257 - ديوان أوس ص 1 - [كامل]
(2) 258 - ديوان أوس ص 39.
(3) 259 - د/ طه حسين: في الأدب الجاهلي - سابق - ص 27 ..