وخاصة وصف السلاح والحيوان، فإن زهيرًا قد تفوق على أستاذه في وصف الطلل وهذا ما نراه من اللوحة الطللية في صدر معلقته [1] :
أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ ... بِحَوْمَانَةِ الدَّرَّاجِ فَالْمُتَثَلَّمِ
وَدَارٌ لَهَا بِالرَّقْمَتَيْنِ كَأَنَّهَا ... مَرَاجِعُ وَشْمٍ فِي نَوَاشِرِ مِعْصَمِ
بِهَا الْعِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وَأَطْلاَؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ
وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ حِجَّةً ... فَلأْيًا عَرَفْتُ الدَّارَ بَعْدَ التَّوَهُّمِ
أَثَافِيَّ سُفْعًا فِي مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ ... وَنُؤْيًا كَجِذْمِ الْحَوْضِ لَمْ يَتَثَلَّمِ
فَلَمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلْتُ لِرَبْعِهَا ... أَلاَ عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الرَّبْعُ وَاسْلَم
يقف بنا زهير أمام هذه اللوحة الوصفية التي تسبر أغوار نفسه المتحسرة على صورة ما تبقى من ديار أم أوفى، وأول ما تبقى أمام عينيه هذه الدمنة التي يتساءل عنها سؤال المتوجع المتألم الذي يزداد ألمه وتوجعه عندما يتكئ على أسلوب المفارقة بين الجزء والكل اللذين يبدوان في صورة متتابعة متنقلة من الأصغر إلى الأكبر: دمنة - دار- ربع، فالدمنة هي ما اسود من آثار الديار البالية، وهي حجارة صامتة لا تتكلم، أما الدار، فإنها تشبه الوشم الذي ترجعه الفتاة وتردده ليثبت على معصمها، وقد أصبحت هذه الدار خالية بعد ارتحال أهلها إلا من هذه الحيوانات: العيِن أو البقر الوحشي، والآرام وأولادها التي تتحرك حركة القيام والقعود في حرية مطلقة لا تخشى معها من يمنعها، وقد صارت مجهولة لديه إلا ما يقوم ظنه بتأكيد حقيقتها عنده، وعندما يعرفها يتوجه بالدعاء بالنعمة والسلامة إلى الربع جميعه.
وقد نجح زهير في توظيف العناصر المكونة للوحة الفنية الكلية في التعبير عن هذه الحيرة المتوجعة التي تبدو في دلالة اللون الأسود على الشؤم والموات، والدمنة والوشم والأثافي التي تستدعي النار بدلالتها على الإحراق والموات أيضًا، كما تبدو الدلالة الحركية في صورة الحيوانات التي يخلف بعضها بعضًا، وتنهض وتجثم، أما الدلالة الصوتية فهي تبدو فيما يصدر عن هذه الحيوانات من الأصوات وكذلك في توجهه بالدعاء إلى الربع جميعه، وتضافر هذه العناصر الثلاثة يشير إلى قصدية الشاعر إلى بعث الحركة والحياة في هذه.
(1) 26.- شعر زهير ص 9 - 11، حومانة: ما غلظ من الأرض، الوشم: نقش الإبرة في الذراع يُحشى إثمدًا، وكان نساء الجاهلية يستعملنه للزينة، نواشر: عصب الذراع، أثافي: مفردها أثفية وهي الحجارة التي تُجعل عليها القدر، سفع: سود، معرس: موضع نزول المسافر ليلًا، نؤي: حاجز من تراب يرفع حول البيت لمنع المطر من الدخول.