وإذا كان زهير قد اتكأ في رسم صورة الدار، وما تبقى منها على المفارقة بين الجزء والكل، فإنه يتكئ على المفارقة الدلالية والزمنية في صورة دار أسماء التي يقول فيها [1] :
قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِي لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ ... بَلَى وَغَيَّرَهَا الأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ
لاَ الدَّارُ غَيَّرَهَا بَعْدِي الأَنِيسُ وَلاَ ... بِالدَّارِ لَوْ كَلَّمَتْ ذَا حَاجَةٍ صَمَمُ
دَارٌ لأَسْمَاءَ بِالْغَمْرَيْنِ مَاثِلَةٌ ... كَالْوَحْيِ لَيْسَ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا أَرِمُ
وَقَدْ أَرَاهَا حَدِيثًا غَيْرَ مُقْوِيَةٍ ... السِّرُّ مِنْهَا فَوَادِي الْحَفْرِ فَالْهِدَمُ
فالمفارقة الزمنية تبدو في وصف الديار في صدر البيت الأول بعدم الدروس والعفاء رغم قِدَم عهدها، ثم استدرك على هذا في العجز بأن ما غير الديار هو الرياح و الأمطار الدائمة، ويبدو أن استحضار صورة الماضي المشرق لهذه الديار إنما كان بدافع رغبة نفسية لا تريد للعين أن تقع من الديار إلا على كل ما هو مبهج وجميل، وهي رغبة تتكسر على حقيقة الواقع من التحول والتغير الذي أكد انتفاءه في البيت الثاني، فلم ينزلها بعده من أنيس يمكن أن يغير في ملامحها، وتستمر هذه المفارقة في البيتين الثالث والرابع، ففي أولهما يشبه دار أسماء الماثلة أمامه بالوحي أو بالكتاب المسطور، وهو تشبيه يؤكد على أن المشبه ليس الدار، وإنما ما تبقى منها، وتلك آلية من آليات المجاز المرسل حيث العلاقة الكلية التي يراد منها الجزء، ثم يستمر في أسلوب المفارقة ليؤكد في البيت الرابع أن الدار غير خالية فثَمّ شيءٌ ما يسكنها وإذا وازنا بين لحظة الحضور و الغياب لقلنا إنها لم تكن خالية من أهلها في الماضي، أما في الحاضر فهي خالية منهم، وإن كانت غير خالية إذ تسكنها الحيوانات على ما جرى العرف التصويري للشعراء.
وإذا ما انتقلنا إلى صورة الطلل عند كعب بن زهير وجدناه لا يخرج عما درج عليه أبوه زهير في هذا التصوير الذي أعطى للرياح دورًا فيما أصاب الدار، وما ترتب على ذلك كله من الأثر النفسي، يصور كعب الدمنة وما تركته من أثر في نفسه بقوله [2] [طويل] :
أَمِنْ دِمْنَةٍ فَقْرٍ تَعَاوَرَهَا الْبِلَى ... لِعَيْنَيْكَ أَسْرَابٌ تَفِيضُ غُرُوبُهَا
تَعَاوَرَهَا طُولُ الْبِلَى بَعْدَ جِدَّةٍ ... وَجَرَّتْ بِأَذْيَالٍ عَلَيْهَا جَنُوبُهَا
فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا غَيْرُ أُسٍّ مُذَعْذَعٍ ... وَلاَ مِنْ أَثَافِي الدَّارِ غَيْرُ صَلِيبِهَا
فنجده يجرد من نفسه شخصًا آخر يخاطبه مستفهمًا: أمن أجل هذه الدمنة فاضت دموعك؟! لقد أتى البلى الدمنة من كل جانب فأصابها بالدروس والعفاء، ولم تقف الريح ساكنة، وإنما أتت بالأمطار لتعفّي على كل شيء، وهنا نلمح المفارقة الدلالية بين المطر وفعله، فالمطر بما فيه من الماء مصدر حياة، ولكنه ها هنا مصدر موت لهذه الدمنة التي كانت ماثلة عامرة آهلة بأهلها إذ لم يبق منها
(1) 261 - شعر زهير ص 1 .. - 1.1
(2) 262 - ديوان كعب ص 153 - 154، أس: الأساس أو ما تبقى من الحوض المحفور حول الخباء، مذعذع: متهدم.