الصفحة 59 من 63

غير أساس الحوض المضروب حول الخباء ليمنع دخول المطر إليه، وغير الحجارة المتبقية من الأثافي التي يحمل عليها القدر، ونلمح في هذه اللوحة الوصفية تضافر عناصر الصوت الذي ينتجه سقوط المطر والتساؤل الحائر لنفسه واللون الذي يبدو في الدمنة والأثافي، وحركة تلمح في نزول المطر، وفيضان الدموع، وجر الرياح أذيالها.

ومثل هذه الصورة الوصفية يقدم لنا الحطيئة صورة دار هند وقد أصابها العفاء إلا ما بقي من الأثافي، وهي صورة تكاد تكون هي صورة كعب السابقة، لولا التفصيل الذي قدمه الحطيئة لصورة هذه الدار وذلك قوله [1] :

يَا دَارَ هِنْدٍ عَفَتْ إِلاَّ أَثَافِيهَا ... بَيْنَ الطَّوِيِّ فَصَارَاتٍ فَوَادِيهَا

أَرَّى عَلَيْهَا وَلِيٌّ مَا يُغَيِّرُهَا ... وَدِيمَةٌ حُلِّيَتْ فِيهَا عَزَالِيهَا

قَدْ غَيَّرَ الدَّهْرُ مِنْ بَعْدِي مَعَارِفَهَا ... وَالرِّيحُ فَادَّفَنَتْ مِنْهَا مَغَانِيهَا

جَرَّتْ عَلَيْهَا بِأَذْيَالٍ لَهَا عُصُفٍ ... فَأَصْبَحَتْ مِثْلَ سَحْقِ الْبُرْدِ عَافِيهَا

كَأَنَّنِي سَاوَرَتْنِي يَوْمَ أَسْأَلُهَا ... عَوْدٌ مِنَ الرُّقْشِ مَا تُصْغِي لِرَاقِيهَا

إن وقفة الشاعر أمام الدار ونداءها، إنما هو استحضار للصورة التي كانت عليها الدار في الماضي، أما اللحظة الحاضرة فقد عفت فيها بعض أجزاء هذه الدار، واختار منها الأثافي حيث القدر والحجارة السوداء بفعل النيران المضرمة تحت القدر مما يستدعي دلالة الجود والكرم من ناحية، ومن ناحية أخرى تستدعي اللون الأسود بدلالته على الشؤم والموت الذي يجد أداة تحققه وهي المطر المتتابع مع الديمومة التي لا تبقي على شيء أتت عليه وهو هنا دار هند، تلك الدار التي بدت أو ما تبقى منها مأزومة من الأمطار المتتابعة، ومن الدهر والريح التي جرت أذيالها عليها، وأصابتها بالعفاء والدروس، وصارت الدار شبيهة بالثوب البالي.

وإذا وازنا بين صورة الحطيئة وصورة كعب من قبله لوجدنا المعجم اللغوي مرتكزًا على الدوال عينها، وخاصة: الدمنة. الدار. الأثافي. الجنوب التي تجر أذيالها، كما نجد الحالة النفسية عند كعب في فيضان الدموع لرؤية الدمنة المقفرة، أما عند الحطيئة، فقد عبر عن هذا الأثر النفسي الذي تركه سؤال الدار الصامتة العافية في نفسه من خلال تحقيق سوء الحالة، وهي حال شبيهة بمن لدغته الأفعى القديمة التي لا تستجيب لرقى الرقاة، ولم تخل صورة الحطيئة من العناصر الثلاثة: الصوت واللون والحركة، وتضافرها يبعث على حيوية الصورة وحركيتها.

صورة المرأة:

احتفل الشعراء العرب بالمرأة أيما احتفال، وأحلوها من شعرهم مكانة محورية كانت معها مرتكزًا لبنية قصائدهم، فالوقوف على الأطلال استدعاء للمرأة المفارقة، وهو يُسلم للحديث عن المرأة في صورة النسيب، أو التغزل من خلال هذا الغرض الذي شاع في الشعر القديم شيوعًا كبيرًا، واتخذ

(1) 263 - ديوان الحطيئة ص 28.، الطوى: بئر بمكة، صارة: جبل، أرّى عليها: دام، وليّ: مطر يجيء يعد مطر سابق، عزاليها: م/ عزلاء وهي مصب الماء، عُصُف: شديدة، سحق البرد: الثوب البالي، عافي: دارس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت