عندهم اتجاهين، أولهما غزل حسي سواء كان فاحشًا أو غير فاحش وقد"أكثر الشعراء في الأول من التغزل - الحسي الفاحش - في النساء ووصفهن أو وصف مفاتنهن وتشبيهها بأشياء مادية حسية نابعة من صميم البيئة الجاهلية وطبيعتها ومكوناتها ويلاحظ أنه كان النوع السائد في الغزل الجاهلي، وقلما خلا منه شعر شاعر" [1] .
وأما ثانيهما، فغزل عفيف قنع فيه الشعراء بالتعبير عن العاطفة الرابطة بينهم وبين المرأة دون التطرق إلى ذكر أوصافها ومفاتنها الحسية، وهذا النوع من الغزل وإن كان أقل من سابقه في المساحة الشعرية التي شغلها، فإنه يلفت إلى مكانة المرأة المحبوبة من نفوس أصحابه خاصة، وعند العرب عامة، فقد نظروا إليها نظرة تقديس عندما شبهوها أو رمزوا إليها بعدد من الرموز المقدسة في الميثيولوجيا العربية كالشمس والمهاة والغزال والنخلة [2] .
وربما رجعت بواعث الغزل بالمرأة في الشعر العربي القديم إلى رغبة الشاعر آنذاك في التعبير عن عاطفته ناحيتها من خلال الشعر لأنه"الفن الجميل الذي صوروا به عواطفهم، وقد بقي من شعرهم فيض غزير مختلف الألوان والخصائص، والغزل جدول مترع من هذا الفيض" [3] وربما رجعت تلك البواعث إلى الناحية الجمالية من المرأة وما أثارته في نفسه من المشاعر والأحاسيس التي راح يعبر عنها، سواء كانت هذه الناحية الجمالية معنوية متعلقة بالطبيعة النفسية للمرأة، أو كانت حسية متعلقة بالجمال الشكلي للمرأة كقول أوس [4] :
وَدِّعْ لَمِيسَ وَدَاعَ الصَّارِمِ الَّلاحِي ... إِذْ فَنَّكَتْ فِي فَسَادٍ بَعْدَ إِصْلاَحِ
إِذْ تَسْتَبِيكَ بِمَصْقُولٍ عَوَارِضُهُ ... حَمْشِ اللِّثَاتِ عِذَابٍ غَيْرِ مِمْلاَحِ
وَقَدْ لَهَوْتُ بِمِثْلِ الرِّئْمِ آنِسَةٍ ... تُصْبِي الْحَلِيمَ عَرُوبٍ غَيْرِ مِكْلاَحِ
كَأَنَّ رِيقَتَهَا بَعْدَ الْكَرَى اغْتَبَقَتْ ... مِنْ مَاءِ أَصْهَبَ فِي الْحَانُوتِ نَضَّاحِ
أَوْ مِنْ مُعَتَّقَةٍ وَرْهَاءَ نَشْوَتُهَا ... أَوْ مِنْ أَنَابِيبِ رُمَّانٍ وَتُفَّاح
فهو يرسم صورة حسية للميس يبدؤها منذ اللحظة الأولى التي عزمت فيها بلجاجة وإلحاح على الرحيل تاركة قلبه لفساد البين الذي أزمعته، وقد رأى أن يبادلها الجزاء من جنس عملها رغم تعلق قلبه بها وهو يبدأ هذه الصورة الوصفية بالوجه أول ما يلفت الرجل من جمال المرأة، ويقف منه عند الفم المبتسم الذي يبرز مع ابتسامه جمال أسنانها فهي مصقولة لامعة تحيط بها لثة قليلة اللحم على ما كان ينتظره
(1) 264 - د/ يوسف حسين بكار: اتجاهات الغزل في القرن الثاني الهجري ص 13 - دار المعارف 1971 م - القاهرة.
(2) 265 - حول تقديس العرب للمرأة انظر: د/ علي البطل: الصورة الفنية في الشعر العربي ص 49 - 51،د/ نصرت عبد الرحمن: الصورة الفنية في الشعر الجاهلي ص 1.5 - 113، د/ مصطفى الشورى: الشعر الجاهلي: تفسير أسطوري ص 92 - 97، د/ أحمد كمال زكي: التفسير الأسطوري للشعر القديم ص 123 مجلة فصول مج 1/ع 3، د/إبراهيم عبد الرحمن: التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي: فصول العدد نفسه ص 131.
(3) 266 - د/أحمد الحوفي: الغزل في العصر الجاهلي ص 12 ط 3/ 1973 م دار نهضة مصر
(4) 267 - ديوان أوس ص 13 - 14، فنكت: لجت، حمش اللثات: قليلة اللحم، عروب: ضحوك متحببة إلى زوجها، مكلاح: عابسة، ريقتها: ماء الفم، اغتبقت: شربت الغبوق / شراب العشي، ورهاء: حمقاء والمراد شديدة.