العربي القديم من جمال اللثة [1] ومن تداعيات الفم حديثه؛ ولذلك يصفها بأنها آنسة تؤنس بحديثها الرجال مما يعني النظرة التقديسية لها من قبل الرجل ويشبهها بالرئم أو الظبي الأبيض مستدعيًا بهذا التشبيه ما يرتبط به في الميثيولوجيا العربية من التقديس والعبادة ومن ثمة المرأة التي تبدو في الصورة الأوسية متحببة إلى زوجها غير عابسة ورضابها طيب الرائحة لامعٌ كأنما اغتبقت من الخمر شراب الغبوق بالعشيّ.
ويقدم زهير للمرأة صورة حسية مال فيها إلى التفصيل، ولكن في غير فحش، بدأها بذكر الكل ثم أتبعه بذكر تفاصيله، وذلك حيث يقول [2] :
تَنَازَعَهَا الْمَهَا شَبَهًا وَدُرَّ النُّـ ... ـحُورِ وَشَاكَهَتْ فِيهَا الظِّبَاءُ
فَأَمَّا مَا فُوَيْقَ الْعِقْدِ مِنْهَا ... فَمِنْ أَدْمَاءَ مَرْتَعُهَا الْخَلاَءُ
وَأَمَّا الْمُقْلَتَانِ فَمِنْ مَهَاةٍ ... وَلِلدُّرِّ الْمَلاَحَةُ وَالصَّفَاءُ
وأول ما يطالعنا من هذه الصورة الوصفية التي ابتغى منها"التحديد والتدقيق" [3] هو هذا الثالوث المقابل لصورة المرأة: المها. الدرّ. الظباء، وهو يمثل كليات الصورة التي فصلها البيتان التاليان وتلك سمة تصويرية عند زهير، فقد"كان يحقق صوره، ولم يكن يعتمد في هذا التحقيق على اللغة وحدها، بل كان يعتمد قبل كل شيء على أن تكون الصورة واسعة هذه السعة التي تتضمن التفصيل والتفريع وكأنه يريد أن يحملها أكثر طاقة ممكنة في التعبير والتمثيل" [4] وقد بدأ تفصيله من حيث انتهى في الكليات، فبدأ بذكر وجه الشبه بين المرأة والظبي، وحدده بالعنق الطويل، ثم عاد إلى المها ليجعل وجه الشبه بينهما هو المقلتان من حيث السعة، وختم صورته بذكر الوجه الجامع بين المرأة والدر: الملاحة والصفاء، وإذا كانت المها والظباء تشيران إلى العلاقة الميثيولوجية بينهما وبين المرأة عند العرب، فإن تشبيه المرأة بالدر يستدعي الشمس، والدر"صورة مصغرة للشمس المشعة البراقة" [5] وهذا يعني أن ارتباط المرأة بالدر /الشمس يؤكد أن المرأة كانت رمزًا للشمس التي عبدها الجاهليون وكانوا"يسجدون لها إذا أشرقت، وإذا توسطت السماء، وإذا غربت" [6] .
وإذا ما انتقلنا إلى صورة المرأة عند كعب وجدناه يرسم صورة وصفية حسية لسعاد في لاميته المرتبطة بها، وهي صورة بعيدة عن الفحش شأنه في ذلك شأن أوس وزهير [7] :
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُجْزَ مَكْبُولُ
وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إِذْ رَحَلُوا ... إِلاَّ أَغَنَّ غَضِيضِ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إِذَا
(1) 268 - د/ أحمد الحوفي: الغزل في الشعر الجاهلي - السابق - ص 5 ..
(2) 269 - شعر زهير ص 125 - 126.
(3) 27.- د/ علي البطل: الصورة الفنية - سابق - ص 51.
(4) 271 - د/ شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في الشعر العربي - سابق - ص 26.
(5) 272 - د/ علي البطل: الصورة الفنية - سابق - ص 51.
(6) 273 - د/ أحمد الحوفي: الحياة العربية من الشعر الجاهلي ص 421.
(7) 274 - ديوان كعب ص 26 - 27، ظلم: بريق الأسنان، محنية: منعطف الوادي، مشمول: مبرد برياح الشمال، تجلو القذى: تزيله، والقذى: ما يقع في العين والشراب من الأتربة وغيرها، يعاليل: جمع يعلول وهو الغدير.