الصفحة 62 من 63

ابْتَسَمَتْ ... كَأَنَّهُ مُنْهَلٌّ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ

شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِنْ مَاءِ مَحْنِيَةٍ ... صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهْوَ مَشْمُولُ

تَجْلُو الرِّيَاحُ الْقَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ ... مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ

لقد بدأ صورته ببداية أوس عينها: إلى ارتحال سعاد، وذهاب عقله لتدلهه في حبها، ثم أخذ في تقديم صورة وصفية لها ركز فيها عدسته الوصفية على وجهها متناولًا أجزاءه بالوصف الدال على علة التعلق بها فصوتها أغن محبب عنده كما هو محبب عند العرب جميعهم [1] ولها عين فاترة ذات أجفان سود كأنما اكتحلت بحجر الإثمد، وتظهر ابتسامتها بريق ماء أسنانها كأنما نهلت من الخمر وعلت منها، وعطفه بين النهل وهو أول الشرب والعلل وهو الشرب الثاني تأكيد للمعان أسنانها، أو كأنما شربت ماء الوادي البارد بفعل رياح الشمال، مما يؤكد صفاء الريق ولمعانه أن الريح قد أزالت عنه كل ما يمكن أن يقع عليه فيشوهه من تراب وغيره.

وإذا كان تشبيه المرأة بالمها والغزال والظبي مما هو شائع عند الشعراء العرب، ورأيناه في صورتيْ أوس وزهير السابقتين، ولم نره في صورة كعب السابقة، فإن كعبًا في صورته الوصفية لأم شداد لا يبعد عن مثل هذه الصور الوصفية الرابطة بينها وبين الحيوانات الأخرى، وهي صورة لم تقف عند حد الوجه وحده كما في الصورة السابقة، وإنما تناولت بعض أجزاء جسدها في غير فحش، [2] :

أَرَى أُمَّ شَدَّادٍ بِهَا شِبْهُ ظَبْيَةٍ ... تُطِيفُ بِمَكْحُولِ الْمَدَامِعِ خَاذِلِ

أَغَنَّ غَضِيضِ الطَّرْفِ رَخْصٍ ظُلُوفُهُ ... تَرُودُ بِمُعْتَمٍّ مِنَ الرَّمْلِ هَائِلِ

وَتَرْنُو بِعَيْنَيْ نَعْجَةٍ أُمِّ فَرْقَدٍ ... تَظَلُّ بِوَادِي رَوْضَةٍ وَخَمَائِلِ

وَتَخْطُو عَلَى بَرْدِيَّتَيْنِ غَذَاهُمَا ... أَهَاضِيبُ رَجَّافِ الْعَشِيَّاتِ هَاطِلِ

وَتَفْتَرُّ عَنْ غُرِّ الثَّنَايَا كَأَنَّهَا ... أَقَاحٍ تَرَوَّى مِنْ عُرُوقٍ غَلاَئِل

فأول ما يطالعنا من صورتها هو شبهها الظبية التي تدور باحثة عن ولدها الخاذل، ثم يصفها بما قدمه من وصف سعاد بغنة الصوت وفتور الطرف، وهما في الوجه، ثم ينتقل إلى الأسفل حيث الحوافر ليصفها باللين، ويعلو قليلًا ليصف ساقيها بالطول والنعومة والبياض، وبين اللين والنعومة وغنة الصوت وفتور الطرف تقارب دلالي يستدعي وصف المرأة على الجملة بالرثة واللين، وتلك صورة وصفية بعيدة عن ذلك الفحش الذي نجده عند الحطيئة في قوله [3] :

آثَرْتُ إِدْلاَجِي عَلَى لَيْلِ حُرَّةٍ ... هَضِيمِ الْحَشَا حُسَّانَةِ الْمُتَجَرِّد

(1) 275 - د/ أحمد الحوفي: الغزل في الشعر الجاهلي ص 67.

(2) 276 - ديوان كعب ص 83 - 84، خاذل: ولد الظبي المتخلف عن أمه، رخص الظلوف: لين الحوافر، فرقد: ولد البقرة،، أهاضيب: الدمعة من المطر، رجاف: رعد قوي، العروق الغلاغل: النتغلغلة في التراب، والمراد الوصف بالصفاء.

(3) 277 - ديوان الحطيئة ص 68 - 72، هضيم: ضامرة البطن، مجسد: به رائحة الزعفران ارتفقت: اتكأت، ريان: ممتلئ، لم يتخدد: لم يهزل، عبلة: فخمة، لم يخضد، لم ينكسر أثيث: شعر كثير، المدرى: المشط، الذفرى: العظم الناتئ خلف الأذن، أسيل: طويل، المقلّد: موضع القلادة، الريّا: الريح الطيبة، الخلى: الرطب من النبات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت