الصفحة 63 من 63

إِذَا النَّوْمُ أَلْهَاهَا عَنِ الزَّادِ خِلْتَهَا ... بُعَيْدَ الْكَرَى بَاتَتْ عَلَى طَيِّ مُجْسَدِ

إِذَا ارْتَفَقَتْ فَوْقَ الْفِرَاشِ حَسِبْتَهَا ... تَخَافُ انْبِتَاتَ الْخَصْرِ مَا لَمْ تَشَدَّدِ

وَتُضْحِي غَضِيضَ الطَّرْفِ دُونِي كَأَنَّمَا ... تَضَمَّنَ عَيْنَيْهَا قَذًى غَيْرُ مُفْسِدِ

إِذَا شِئْتُ بَعْدَ النَّوْمِ أَلْقَيْتُ سَاعِدِي ... عَلَى كَفَلٍ رَيَّانَ لَمْ يَتَخَدَّدِ

لَهَا طِيبُ رَيَّا إِنْ نَأَتْنِي وَإِنْ دَنَتْ ... دَنَتْ عَبْلَةً فَوْقَ الْفِرَاشِ الْمُمَهَّدِ

خَمِيصَةُ مَا تَحْتَ النِّطَاقِ كَأَنَّهَا ... عَسِيبٌ نَمَا فِي نَاضِرٍ لَمْ يُخَضَّدِ

تُفَرِّقُ بِالْمِدْرَى أَثِيثًا كَأَنَّهُ ... عَلَى وَاضِحِ الذِّفْرَى أَسِيلِ الْمُقَلَّدِ

تَضَوَّعُ رَيَّاهَا إِذَا جِئْتُ طَارِقًا ... كَرِيحِ الْخُزَامَى فِي نَبَاتِ الْخَلَى النَّدِي

إنه يبدأ الصورة بداية ذاتية يتحكم فيها ضمير المتكلم العائد على ذاته التي تؤثر البكور لقضاء حوائجه على المبيت مع هذه المرأة التي استرسل في أوصافها الحسية مع الإشارة"الصريحة لمواقع الفتنة والشهوة في المرأة" [1] وأول مواقع الفتنة والشهوة ضمور البطن، ومطلق الحُسن عند التجرد من الثياب، ورائحة فمها طيبة كأنها الزعفران حتى وإن نامت على غير طعام، ولها خصر دقيق تخاف انقطاعه لدقته إذا قامت لتجلس بسبب عظم عجيزتها، ثم يصفها وصفًا معنويًا بالحياء الذي يبدو في فتور طرفها الذي لا ترفعه من حيائها.

ثم يعود إلى هذا الوصف الحسي الفاحش عندما يصف عجيزتها عند تحسسها بالامتلاء، مع رائحة ريانة طيبة عند إقبالها عليه، وفخامة عند إدبارها عنه، وهي خميصة ما تحت النطاق التي تنتطق به مع لين ونضارة، أما شعرها، فهو كثير طويل يغطي ما تحت أذنيها، وما بعد موضع العقد من عنقها، وتلك إشارة إلى طول العنق وهو من الصفات المحببة لدى العرب على النحو الذي سبق، ويؤكد على طيب رائحتها التي تفوح منها عندما يزورها ليلًا.

والحق إن هذه الصورة الغزلية الواصفة لمفاتن المرأة الحسية في شيء من الفحش القابع في تحديد عملية الوصف من خلال العلاقة الرابطة بينه وبينها، خاصة في الليل لتستثير حفيظة المتلقي العالم بطبيعة الحطيئة النفسية البعيدة عن البحث عن العلاقة بالمرأة أيًّا كانت لأنه كان معوزًا باحثًا عن المال، وعن طرق اكتسابه بالمدح حينًا والهجاء حينًا آخر، مما يعني أن العلاقة الجسدية، أو العاطفية بالمرأة لم تكن من همّ حياته المقعد المقيم، وأغلب الظن أن صورته الحسية السابقة إنما كانت سيرًا على ديدن الشعراء العرب في وصف العلاقة مع المرأة، وإن أحاطها شيء من التطرف في الوصف، وهو تطرف يتفق وطبيعة حياة الحطيئة.

على أن ليست هذه الصورة الوحيدة التي قدم فيها الحطيئة وصفًا حسيًّا للمرأة يعرض فيه لمواطن الفتنة والشهوة، فقد قدم في مواضع أخرى صورة وصفية معتدلة لها، وهي صورة بعيدة عن

(1) 278 - إيليا حاوي: الحطيئة في سيرته ونفسيته وشعره ص 141 - دار الثقافة - 197.م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت