شُمُّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ ... مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ
فهو يمدحهم بالسيادة والشرف، ويكني عن ذلك بأنهم شم العرانين، ويمدحهم بالشجاعة الماثلة في كون لبوسهم من الدروع المحكمة الصنع وكنى عن ذلك بأنها من نسج داود، وهو نبي الله داود عليه السلام نسبت إليه الدروع؛ لأنه"أول من سردها وحلّقها" [1] وهنا يبدو الأثر القرآني على كعب في قوله: لَبوس وهو عند العرب يطلق على السلاح كله درعًا كان أم غيرها، قال الله تعالى عن النبي داود عليه السلام {وعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [2] ، وإذا كان كعب قد نسب صنعة الدروع إلى داود عليه السلام، فإن الحطيئة ينسبها إلى ابنه نبي الله سليمان عليه السلام وفي ذلك يقول الحطيئة [3] [بسيط] :
فِيهِ الرِّمَاحُ وَفِيهِ كُلُّ سَابِغَةٍ ... جَدْلاَءَ مُبْهَمَةٍ مِنْ صُنْعِ سَلاَّم
فالسابغة الجدلاء كناية عن الدرع الطويلة المحكمة النسج تُنسب صناعتها إلى نبي الله سليمان عليه السلام، وفي نسبة صنعة الدروع إلى نبي الله سليمان عليه السلام استدعاء لأبيه داود عليه السلام وفيه إشارة إلى مدى قوة هذه الدروع وإحكام جدلها، كما يستدعي ذلك وصف الدروع بالشرف والقدسية التي يتحقق معها النصر المؤزر.
وصفة الغضب والغيظ من الصفات المقترنة بالحرب في البيئة العربية القديمة، إذ كان العربي عندما تستثار حفيظته يثور ويغضب، ويتخذ ذلك الغضب والغيظ على المستوى الإبداعي بعض الصور الكنائية كالتي نراها في قول أوس [4] [طويل] :
فَفَارَتْ لَهُمْ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ قِدْرُنَا ... تَصُكُّ حَرَابِيَّ الظُّهُورِ وَتَدْسَعُ
ففوران القدر كناية عن الغضب والغيظ، وقوة الجيش التي بدت في انتصاره، وطعن المهزومين في ظهورهم؛ لأنهم فروا من أمامهم، ويقول زهير [5] [وافر] :
فَقُلْنَا يَا الَ أَشْجَعَ لَنْ تَفُوتُوا ... بِنَهْبِكُمُ وَمِرْجَلُنَا يَفُورُ
فقوله: مرجلنا يفور كناية عن الغضب والثورة على آل أشجع الذي يحاولون نهب ما لدى زهير وممدوحيه، والكناية هنا أبلغ من التصريح لو أنه قال: نحن غضاب؛ لأن فوران المرجل يستدعي إشعال
(1) 173 - الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن - سابق - 17/ 55.
(2) 174 - سورة الأنبياء آية رقم 8 ..
(3) 175 - ديوان الحطيئة ص 128.
(4) 176 - ديوان أوس ص 59، تدسع: تدفع وتضرب.
(5) 177 - شعر زهير ص 246.