الاستعارة في المركب الاسمي:
وإذا كان المركب الفعلي قد منح الصورة الاستعارية في النماذج السابقة صفة الحركية المحاطة بمناخ زمني قد يكون للماضي أو الحاضر أو المستقبل، فإن المركب الاسمي يشير إلى وصف الصورة الاستعارية بالثبات والاستمرارية، وما يستدعيه ذلك من التلازم بين طرفي الصورة أو بين المستعار منه والمستعار له اللذين يأتيان على هيئة المسند إليه والمسند في المركب الاسمي، يقول أوس بن حجر [1] :
وَغَيَّرَهَا عَنْ وَصْلِهَا الشَّيْبُ إِنَّهُ ... شَفِيعٌ إِلَى بِيضِ الْخُدُورِ مُدَرَّبُ
فهو يداخل بين المركبين: الفعلي: غيرها الشيب، والاسمي: إنه شفيع؛ ليؤكد على الرغبة الملحة في تشخيص الشيب بصورة إنسان يمارس سلطة تحويل المرأة وتغييرها، ودفعها إلى فراقه ثم إنه رغم ذلك فهو شفيعه إلى بيض الخدور، وهي النساء المنعمات لا يخرجن إلى العمل، ويشخص زهير الحية بالإنسان القلق في قوله [2] :
زَجَرْتُ عَلَيْهِ وَالْحَيَّاتُ مَذْلَى ... نَبِيلَ الْجَوْزِ أَتْلَعَ تَيَّحَان
فقد دفعها الحَر إلى الضجر والقلق، وقد وقع الطرفان موقع المسند إليه والمسند في المركب الاسمي، ويقول كعب [3] [طويل] :
لأَيِّ زَمَانٍ يَخْبَأُ الْمَرْءُ نَفْعَهُ ... غَدًا فَغَدًا وَالدَّهْرُ غَادٍ وَرَائِحُ
فقوله: والدهر غادٍ ورائح: مركب اسمي جاء فيه الطرف الأول مسندًا إليه، والطرف الثاني مسند، وهو يصور الدهر بصورة الرجل الملح في مجيئه ورواحه، ليحيل كل شيء أتى عليه إلى زوال ويقول الحطيئة [4] [طويل] :
وَأَشْتُمُ قَوْمًا كَانَ مَجْدُ أَبِيهِمُ ... عَلَى كُلِّ حَالٍ رَاسِيًا لَمْ يُهَضَّم
فقد شبه المجد بالبناء، أو الجبل الراسي، وحذف المشبه وأتى بما يدل عليه وهو قوله: راسيا الواقع موقع خبر كان، وهو يشير إلى علو هذا المجد وثباته، والصورة هنا تهدف إلى تجسيم المجرد، وإخراجه في صورة مرئية.
ومن خلال هذه الصور الاستعارية عند الشعراء الأربعة بدا واضحًا ميلهم إلى توظيف الاستعارة في التعبير عن المجردات، وإخراجها في صورة مادية ملموسة، سواء أكانت هذه الصورة الملموسة ماثلة في التجسيم، أو في التشخيص، وقد رأينا أن التشخيص كان أقل نسبيا من التجسيم
(1) 155 - ديوان أوس ص 5.
(2) 156 - شعر زهير ص 285، مذلى: ضجرة، نبيل الجوز: جمل جسيم الصدر، أتلع: طويل العنق، تيّحان: نشيط
(3) 157 - ديوان كعب ص 185.
(4) 158 - ديوان الحطيئة ص 121