الصفحة 29 من 63

الدلالة البشرية، مما يسهم في إعطاء هذه الظواهر غير البشرية صفة البشر، يخاطب أوس نفسه في مرثيته العينية قائلًا [1] :

أَيَّتُهَا النَّفْسُ أَجْمِلِي جَزَعَا ... إِنَّ الَّذِي تَحْذَرِينَ قَدْ وَقَعَا

إنه موقف فقد وفجيعة تركت آثارها على النفس الكليمة، ولم يجد الشاعر من يواسيه شعوره سوى أن يجرّد من نفسه هذا المؤاسي فيناديها هذا النداء المتغاضي عن الحواجز اللغوية التي يقيمها حرف النداء، ثم يأمرها بإجمال الجزع؛ فقد وقع ما كانت تحذره، وهنا تتحول النفس إلى ذلك الشخص المؤاسي بل المفجوع الذي وحدت الفاجعة بينه وبين من يناديه، وقد طغى هذا الشعور الحزين على الشاعر، مما دفعه إلى دلالة التشخيص باعتبارها"الملكة الخالقة التي تستمد قدرتها من سعة الشعور حينًا، أو من دقة الشعور حينًا آخر، فالشعور الواسع هو الذي يستوعب كل ما في الأرضين والسماوات من الأجسام والمعاني فإذا هي حية كلها؛ لأنها جزء من تلك الحياة المستوعبة الشاملة والشعور الدقيق هو الذي يتأثر بكل مؤثر، ويهتز لكل هامسة ولامسة فيستبعد جد الاستبعاد أن تؤثر فيه الأشياء ذلك التأثير، وتوقظه تلك اليقظة وهي هامدة جامدة صفر من العاطفة خلو من الإرادة" [2] ولعل هذا الشعور دافع زهير لتشخيص الدهر في قوله [3] :

يَا دَهْرُ قَدْ أَكْثَرْتَ فَجْعَتَنَا ... بِسَرَاتِنَا وَقَرَعْتَ فِي الْعَظْمِ

وَسَلَبْتَنَا مَا لَسْتَ مُعْقِبَهُ ... يَا دَهْرُ مَا أَنْصَفْتَ فِي الْحُكْم

والتشخيص ماثل في أسلوب النداء الذي يئول إلى المركب الفعلي الذي يصور فيه الدهر بإنسان يخاطبه خطابًا دالاًّ على العجز المطلق المصحوب بشعور المقهور أمام هذا التسلط الذي يمارسه الدهر ليس فقط في فجعتهم بالسادة الكرام، وإنما أيضًا في حكمه الظالم، ولعل هذا الإحساس بالقهر أمام سطوة الدهر هو الذي دفع كعبًا إلى إدراك حقيقة خطاب أبيه للدهر [4] [طويل] :

وَأَدْرَكْتُ مَا قَدْ قَالَ قَبْلِي لِدَهْرِهِ ... زُهَيْرٌ وَإِنْ يَهْلِكْ تُخَلَّدْ نَوَاطِقُهْ

فالدهر مقول له مشخص بصورة إنسان معرض عن استماع ما يقلق الآخرين لما له من سطوة لا يستطيع أحد مجاراتها؛ ولذلك قرر الحطيئة الحقيقة التالية [5] [وافر] :

وَلَيْسَ لَهَا مِنَ الْحَدَثَانِ بُدٌّ ... إِذَا مَا الدَّهْرُ عَنْ عُرُضٍ رَمَاهَا

فالدهر هنا شخص رامٍ صائب الرمي، إذا رمى النفس بشيء فلا مفر لها منه.

(1) 15.- ديوان أوس ص 53 - [منسرح]

(2) 151 - العقاد: ابن الرومي: حياته من شعره ص 252.

(3) 152 - شعر زهير ص 274، والبيتان من الكامل.

(4) 153 - ديوان كعب ص 143.

(5) 154 - ديوان الحطيئة ص 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت