الصفحة 28 من 63

تطالعنا الصورة الاستعارية في عجز البيت من خلال التركيب الفعلي المبني للمجهول: تُرى فيه الكآبة حيث تتحول الكآبة وهي مجرد إلى صورة محسوسة مجسدة من خلال الشيء المادي المرئيّ الذي يجسم هذا المجرد من خلال"نقل الخواص من أحد عنصريْ المركب اللفظي إلى العنصر الآخر" [1] وفيه تكمن بلاغة الاستعارة في"إخراج ما لا يُرى إلى ما يُرى" [2] بحيث نرى الكآبة في وجوه القوم وأثرها عليهم ويقول زهير [3] [بسيط] :

فَاسْتَمْطِرُوا الْخَيْرَ مِنْ كَفَّيْهِ إِنَّهُمَا ... بِسَيْبِهِ يَتَرَوَّى مِنْهُمَا الْبُعُدُ

فقد نقل الطرف الأول: الخير من مجاله الدلالي المجرد إلى الطرف الثاني وهو: استمطروا، ليتحول هذا المجرد إلى شيء مادي مجسم في صورة المطر وهو ما يدل على البراعة التصويرية عنده؛ لأن"التجسيم مرحلة متقدمة في الاستعارة تندر في الشعر الجاهلي" [4] وليشير بهذا التحول إلى علوّ الممدوح؛ لأن خيره إنما ينزل من علٍ على كل من يطلبه بعيدًا كان هذا الطالب للعطاء أو قريبًا.

ويقول كعب [5] [طويل] :

وَنَحْبِسُ بِالثَّغْرِ الْمَخُوفِ مَحَلُّهُ=لِيُكْشَفَ كَرْبٌ أَوْ لِيُطْعَمَ جَائِعُ

فالكرب الواقع وهو مجرد يتحول بفعل النقل الدلالي إلى شيء مادي يتم كشفه وإزالته؛ لأنه مجسم أمام العيان، وهو يشير بتجسيمه هذا إلى كونه حملًا ثقيلًا ينوء بحمله هؤلاء المكروبون.

ويقول الحطيئة [6] [طويل] :

بَنَى الأَحْوَصَانِ مَجْدَهَا ثُمَّ أَسْلَمَتْ=إِلَى خَيْرِ مُرْدٍ سَادَةٍ وَكُهُولِ

فهو يجسد المجد المجرد بصورة البناء الذي قام به هذان الأحوصان: الأحوص بن جعفر بن كلاب وابنه عمرو ابن الأحوص، وهنا نجد الطرف الأول: المشبه المجرد: مجدهما قد وقع موقع المفعول به بينما وقع الطرف الثاني المنقول إليه موقع المسند الفعلي.

ونلحظ على الصورة الاستعارية في الأبيات السابقة أنها مالت إلى التجسيم، حيث تم إخراج المعنوي المجرد إلى صورة الشيء المادي غير العاقل، وثم دلالة أخرى تنتجها الصورة الاستعارية وهي دلالة التشخيص التي يتم فيها إضفاء الصفة البشرية، أو بعض خواصها على ما ليس بإنسان كالحيوان أو الجماد أو المجرد [7] بغية تحويل هذه العناصر الطبيعية من مجالاتها الدلالية إلى حيث مجالات

(1) 143 - د/ سعد مصلوح: في النص الأدبي - سابق - ص 187.

(2) 144 - العسكري: الصناعتين - سابق - ص 28 ..

(3) 145 - شعر زهير ص 226، السيب: العطاء.

(4) 146 - د/ سعد إسماعيل: زهير بن أبي سلمى شاعر الحق والخير والجمال ص 251

(5) 147 - ديوان كعب ص 98.

(6) 148 - ديوان الحطيئة ص 43.

(7) 149 - د/ سعد مصلوح: في النص الأدبي - سابق - ص 187.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت