تعددت فيها أسباب الأزمة برغم أن الأساس الذي بنى عليه الصورة هو وصفها بالقوة والصلابة والسرعة التي بها يستطيع أن ينجز حاجاته [1] [بسيط] :
وَقَدْ تُلاَفِي بِيَ الْحَاجَاتِ نَاجِيَةٌ ... وَجْنَاءُ لاَحِقَةُ الرِّجْلَيْنِ عَيْسُورُ
تُسَاقِطُ الْمَشْيَ أَفْنَانًا إِذَا غَضِبَتْ ... إِذَا أَلَحَّتْ عَلَى رُكْبَانِهَا الْكُورُ
حَرْفٌ أَخُوهَا أَبُوهَا مِنْ مُهَجَّنَةٍ ... وَعَمُّهَا خَالُهَا وَجْنَاءُ مِئْشِيرُ
وَقَدْ ثَوَتْ نِصْفَ حَوْلٍ أَشْهُرًا جُدُدًا ... يَسْفِي عَلَى رَحْلِهَا بِالْحِيرَةِ الْمُورُ
فقد عرض أوس في هذه اللوحة صورة وصفية لناقته تناولت الخارج والداخل معًا، فهي سريعة أصابتها السرعة بالضمور رغم غلظ وجنتيها وضخامتها، وهي إذا غضبت، فإنها تأتي من المشي ضروبًا مختلفة، ولها نسب مختلط، إذ تنتمي لأم ضربها أبوها فجاءت بولدين هما أخواها لأبيها، ثم ضرب أحدهما أمه فجاءت بناقة أوس هذه الحرف التي تشبه حرف الجبل من ضخامتها فأبوها أخوها لأمها، وأخوه الآخر عمها لأبيها، وخالها في الآن عينه لأمها، ويبدو أن الإصرار على هذه العلاقة النسبية المختلطة إنما لذكر أصالتها، وقد أقامت في مبركها ستة أشهر كاملة لم تبرحه، حتى إن التراب الدقيق قد غطى رحلها.
ويتخذ أوس من هذه الصورة الوصفية تمهيدًا لسرد قصتها التي بدت فيها مأزومة، وكأن كل شيء حولها يزيد من أزمتها التي بدأت مع مقامها تلك الأشهر الستة التامة [2] [بسيط] :
وَقَارَفَتْ وَهْيَ لَمْ تَجْرَبْ وَبَاعَ لَهَا ... مِنَ الْفَصَافِصِ بِالنُّمِيِّ سِفْسِيرُ
أَبْقَى التَّهَجُّرُ مِنْهَا بَعْدَ كِدْنَتِهَا ... مِنَ الْمَحَالَةِ مَا يَشْغَى بِهِ الْكُورُ
تُلْقِي الْجِرَانَ وَتَقْلَوْلِي إِذَا بَرَكَتْ ... كَمَا تَيَسَّرَ لِلنَّفْرِ الْمَهَا النُّورُ
كَأَنَّ هِرًّا جَنِيبًا تَحْتَ غُرْضَتِهَا ... وَصْطَكَّ دِيكٌ بِرِجْلَيْهَا وَخِنْزِيرُ
وإذا كانت إرهاصات أزمتها قد بدت مع سرعتها هذه وما تركته عليها من الهزال والضمور، فإن نوع الطعام المقدم لها قد أعان على تجسيد هذه الأزمة، فقد قدم لها الخادم نوعًا رديئًا من طعام الرطبة الريفي الذي لم تألفه، ومع سوء الطعام في هذا المكان، فقد كاد الجرب يصيبها لشهرة المكان به، ولو مكثت أكثر من ذلك لأصابها الجرب، فلجأت إلى الهرب منه بما هو أعون على تأكيد أزمتها، إذ لجأت، أو ألجأها الخادم إلى السير في الهاجرة، ولم يكن هذا السير بأحسن حالًا من مكثها وإصابتها بالجرب؛ لأن السير في الهاجرة أصابها بالهزال وأنحل ظهرها حتى إن الرحل لم يستقر عليه بل ألقته من على ظهرها؛ لأنه باحتكاكه بفقار ظهرها البارزة من الهزال يضنيها ويؤذيها، وهذه صورة أخرى من صور أزمتها.
(1) 2.1 - ديوان أوس ص 4.- 41، وجناء: شديدة، لاحقة الرجلين: ضامرة، عيسور: شديدة لم تروض، أفنان: أنواع مئشير: بطِرة، جدد: تامة، المور: التراب.
(2) 2.2 - ديوان أوس ص 41 - 42، سفسير: الخادم، التهجر: السير في الهاجرة كدنتها: شحمها، المحالة: الظهر، الكور: الرحل، يشغى: يرتفع، الجران: مقدمة العنق،، النفر: النفار والهرب، غرضتها: حزام الرحل.