الصفحة 41 من 63

وثم أمر آخر تعاون على إبراز هذه الأزمة وهو وجود بعض الحيوانات الأخرى التي لم تتركها وشأنها، فهذا الهر الجنيب يغرس مخالبه تحت حزام رحلها فيزيدها نفورًا [1] ؛ وعلة ذلك أن الشعراء العرب"كانوا لا يتخذونه في البوادي إلا قليلًا، فكانت إبلهم لا تعرفه وذلك أشد لنفارها وجزعها" [2] وقد أبان الجاحظ ذلك أيضًا بقوله:"وإذا وصفوا الناقة بأنها رواع شديدة التفزع لفرط نشاطها ومرحها، وصفزها بأن هرًّا قد نَيّب في دفِّها، وأكثر ما يذكرون في ذلك الهرّ؛ لأنه يجمع العض بالناب والخمش بالمخالب [3] ، وإلى جانب الهر نجد الديك والخنزير يحتكان بجلدها المجروح مما يزيد من فزعها ويجسد أزمتها التي ينميها الشاعر ويصل بها إلى ذروتها عندما يُدخل الثور الوحشي في صورة الناقة [4] [بسيط] :"

كَأَنَّهَا ذُو وُشُومٍ بَيْنَ مَأْفِقَةٍ ... وَالْقُطْقُطَانَةِ وَالْبُرْعُومِ مَذْعُورِ

أَحَسَّ رَكْزَ قَنِيصٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ... فَانْصَاعَ مُنْثَوِيًا وَالْخَطْوُ مَقْصُورُ

يَسْعَى بِغُضْفٍ كَأَمْثَالِ الْحَصَى زِمَعًا ... كَأَنَّ أَحْنَاكَهَا السُّفْلَى مَآشِيرُ

حَتَّى أُشِبَّ لَهُنَّ الثَّوْرُ مِنْ كَثَبٍ ... فَأَرْسَلُوهُنَّ لَمْ يَدْرُوا بِمَا ثِيرُوا

وَلَّى مُجِدًّا وَأَزْمَعْنَ اللَّحَاقَ بِهِ ... كَأَنَّهُنَّ بِجَنْبَيْهِ الزَّنَابِيرُ

حَتَّى إِذَا قُلْتُ نَالَتْهُ أَوَائِلُهَا ... وَلَوْ يَشَاءُ لَنَجَّتْهُ الْمَثَابِيرُ

كَرَّ عَلَيْهَا وَلَمْ يَفْشَلْ يُهَارِشُهَا ... كَأَنَّهُ بِتَوَالِيهِنَّ مَسْرُورُ

فَشَكَّهَا بِذَلِيقٍ حَدُّهُ سَلِبٌ ... كَأَنَّهُ حِينَ يَعْلُوهُنَّ مَوْتُور

ثُمَّ اسْتَمَرَّ يُبَارِي ظِلَّهُ جَذِلًا ... كَأَنَّهُ مَرْزُبَانٌ فَازَ مَحْبُورُ

ولم يكن دخول الثور في هذه الصورة القصصية إلا صورة جديدة مجسدة لحدة الأزمة التي تنتقل فيها حدة الصراع من الناقة والهر والديك والخنزير، إلى الصراع بين الحياة والموت يمثلهما الثور الوحشي وكلاب الصيد، لقد جاء أوس بالثور مشبهًا به للناقة إذ ربط بينهما بأداة التشبيه كأنَّ الدالة على قوة التشابه بينهما، ثم تناسى المشبه تمامًا وأخذ يعرض قصة الثور وصراعه مع الكلاب في شيء من الرمزية الموضوعية التي يعمد فيها الشاعر إلى"إطالة الكلام عن المشبه به، وكأنه نسي أنه إنما كان وسيلة لتوضيح المشبه / الناقة بموازنته به" [5] في السرعة والصلابة، بيد أنه أراد أن يعرض لهذه الموازنة في إطار قصصي يتكئ محوره على قضية الصراع بين الحياة والموت، وهي من الصور المكرورة في الشعر العربي إذ نرى فيها أن"الثور ينشد النجاة والكلاب تنشد الثور" [6] الذي يتغلب عليها

(1) 2.3 - حول دخول الهر في مشهد الناقة المأزومة ودوره في تجسيد هذه الأزمة انظر: د/ وهب أحمد رومية: شعرنا القديم والنقد الجديد ص 2 .. - 2.1 سلسلة عالم المعرفة ع/2.7 مارس 1996 م المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت

(2) 2.4 - د/ حمودي القيسي: الطبيعة في الشعر الجاهلي ص 348 - 349 - ط 2/ عالم الكتب

(3) 2.5 - الجاحظ: الحيوان 5/ 273،الرواع هو شدة الفزع، نيّب: عض بنابه، دفها: جنبها

(4) 2.6 - ديوان أوس ص 42 - 43، ذو وشوم: صفة للثور، ركز: صوت خافت، منثويا: عائدًا موليًا، غضف: كلاب، الزمع: السير ببطء مآشير: مناشير، أشب: أتيح المثابير: المثابرة، يهارشها: يناوشها، الذليق: الحاد.

(5) 2.7 - د/ درويش الجندي: الرمزية في الأدب العربي ص 167 - دار نهضة مصر.

(6) 2.8 - د/ وهب رومية: الرحلة في القصيدة الجاهلية ص 1.3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت