الصفحة 10 من 63

عُرف في البلاغة العربية بأدوات التشبيه: الكاف كأن، مثل، شبه، وغيرها من الأفعال أو الأسماء الدالة على التشابه، وهي الأدوات التي كثيرًا ما يتغاضى عنها الشعراء، فلا يتكئون عليها عندما يعظم التشابه بين المدركات الحسية.

لقد كان الشعر الجاهلي النموذج الأعلى الماثل أمام النقاد والبلاغيين و اللغويين، فأكثروا الاستشهاد به في سياقات دراساتهم اللغوية والنقدية والبلاغية، وكان هذا الشعر مفعمًا بصور شتى من التشبيهات التي تجسد كلفة الشاعر الجاهلي بهذه الصورة البلاغية، فلم يجد النقاد والبلاغيون إلا أن يُعجبوا بالتشبيه، ويولوه عنايتهم، ويعدوه"من أشرف كلام العرب، وفيه تكون الفطنة والبراعة" [1] ولذلك عدّه أبو العباس ثعلب فنًّا من فنون الشعر [2] وهو فن مستوعر المذهب ومقتل من مقاتل البلاغة [3] بل هو يرى العلوي: أنه"بحر البلاغة وأبو عذرتها وسرها ولبابها وإنسان مقلتها" [4] ولكل ذلك عُدّ التشبيه حدًّا من الحدود الفارقة بين شاعر وآخر؛ لأنه يدل على وعي المبدع وقدرته على المزج بين الظواهر المتباعدة واقعًا لتكون متقاربة فنًّا بفعل العلاقات التي يقيمها بين الدوال اللغوية، فالتشبيه"علاقة مقارنة تجمع بين طرفين لاتحادهما، أو اشتراكهما في صفة أو حالة أو مجموعة من الصفات والأحوال" [5] وربما كانت المشابهة بين الطرفين حسية أوعقلية، إلا أنها مع ذلك تظل"مجرد علاقة مقارنة، وليست علاقة اتحاد أو تفاعل وصيرورة يتحول معها الطرف الأول كلية إلى الطرف الثاني فيكون هو هو؛ لأن الشيء لا يشبه بنفسه" [6] لأن التشبيه يفيد الغيرية ولا يفيد المثلية، ومما يسهم في هذا الافتراق /الغيرية بين الطرفين وجود أداة التشبيه التي تبدو وكأنها كالحاجز المنطقي الذي يفصل بين الطرفين والمانع من تمام المشابهة.

وإذا كانت أداة التشبيه معززة لانتفاء تمام المشابهة أو الاتحاد بين الطرفين، فإن ثمة صورة تشبيهية تخلو من الأداة و وجه الشبه، وفيها يقترب الطرفان من تمام المشابهة ويصيران كأنهما شيء واحد، وتلك صورة التشبيه البليغ الذي فضله قدامة بن جعفر على غيره من صور التشبيهات المفردة، فقال فيها:"فأحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدني بهما إلى حال الاتحاد" [7] ، واختفاء الأداة من هذه الصورة التشبيهية يستدعي لدى البحث القسمة المنطقية بين أنواع الصور التشبيهية: تشبيه بالأداة وتشبيه بغيرها، مع العناية بالبنية اللغوية للصورة التشبيهية عند شعراء الصنعة الأربعة.

التشبيه بالأداة:

الكاف:

(1) 46 - قدامة بن جعفر، أو مؤلف: نقد النثر ص 58 - دار الكتب العلمية 1995 م

(2) 47 - أبو العباس ثعلب: قواعد الشعر ص 6.

(3) 48 - ابن الأثير: المثل السائر - سابق - 1/ 378.

(4) 49 - العلوي: الطراز - سابق - 1/ 326.

(5) 5.- د/ جابر عصفور: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي ص 188 - دار المعارف 198.م.

(6) 51 - السابق - ص 189.

(7) 52 - قدامة بن جعفر: نقد الشعر - سابق - ص 1.9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت