الصفحة 11 من 63

هذه الأداة هي الأصل في باب التشبيه، والأشهر من بين أدواته لبساطتها، واختصاصها بالدخول على المشبه به؛ لأن"المشبه مخبر عنه بلحوق غيره محكوم عليه، فلو دخلت الكاف عليه لامتنع الإخبار عنه" [1] كما أنها تختص بالدخول على الاسم الجامد المفرد كما تختص بالدخول على الأفعال والأحداث أو الهيئات، وقد وردت عند الشعراء الأربعة على صورتين الأولى منهما أن تكون مفردة فذة لا يتصل بها شيء كقول أوس [2] [بسيط] :

وَلاَ مَحَالَةَ مِنْ قَبْرٍ بِمَحْنِيَةٍ ... وَكَفَنٍ كَسَرَاةِ الثَّوْرِ وَضَّاح

فهو يقرر الحقيقة الأبدية التي لا مفر منها / الموت؛ ولذا يسارع بالمصادرة على كل من يفكر في غير ذلك بقوله"لا محالة"الذي تنصرف دلالته على القبر الكائن بمنعطف الوادي، ومن تداعيات القبر / الموت الذي يبدو اليقين به عنده كما عند غيره يقينًا حدسيًّا [3] أن يصحبه الكفن الأبيض الذي يشبه في بياضه ظهر الثور الأبيض، وهذا التشابه، وإن كان تشابهًا لونيًّا، فإن الشاعر يستدعي به الوجه الآخر لدلالة اللون الأبيض وهي كونه"نذيرًا بالعجز والوهن والموت" [4] والربط بينه وبين الثور، إنما يرتد في الميثولوجيا القديمة إلى السمو بالثور إلى مصاف الآلهة المعبودة المختصة بالعواصف عند السومريين و الآشوريين، و العرب القدامى الذين عبدوه أعطوه اسمًا هو بعل ورمزوا به للهلال والقمر، كما رمز له بالصنم هبل الذي نصٍّب على هيئة رجل شامخ؛ ليكون السيد أو كبير آلهة العرب [5] ، وقد رأى العرب في الثور البديل الأرضي لهذا المعبود الإله الذي بيده الحياة والموت، ومن ثمة ندرك دلالة تشبيه لون الكفن الأبيض ببياض ظهر الثور خاصة وبراعة الشاعر في إدراك العلاقات الدلالية بين المدركات الحسية وصياغتها في صورة تشبيهية تكشف عن الإحساس بالقهر والعجز أمام هذه الحقيقة المؤلمة فالصورة التشبيهية"ينبغي ألا تقتصر على نقل المحسوسات من الواقع إليها، و لا تقف على مجرد التماثل الحسي بين الأشياء، بل لابد فيها من صبغ المحسوسات بألوان الشعور عند الشاعر، وأن ينبع المُحَس من داخل النفس، ممتزجًا بخواطره ومشاعره" [6] .

ومن استخدام الكاف التشبيهية دون اتصال شيء بها قول زهير عن الحمر الوحشية أو الأتن الثلاثة التي رآها غلامه [7] :

ثَلاَثٌ كَأَقْوَاسِ السَّرَاءِ وَمِسْحَلٌ ... قَدِ اخْضَرَّ مِنْ لَسِّ الْغَمِير

(1) 53 - السبكي: عروس الأفراح في شرح التلخيص تحقيق د/ خليل إبراهيم 2/ 19. ط 1/ 2 .. 1 م دار الكتب العلمية.

(2) 54 - ديوان أوس ص 14.

(3) 55 - جاك شورون: الموت في الفكر الغربي ترجمة كامل حسين ص 2. عالم المعرفة 76 أبريل 1984 م الكويت

(4) 56 - إبراهيم محمد علي: اللون في الشعر العربي قبل الإسلام - سابق - ص 158.

(5) 57 - د/ عبد الرزاق الدليمي: هاجس الخلود في الشعر العربي حتى نهاية العصر الأموي ص 266 - 267 - دار الشئون الثقافية - بغداد - ط 1/ 2 .. 1 م.

(6) 58 - د/ علي علي صبح: البناء الفني للصورة الأدبية عند ابن الرومي ص 167 - 168 ط 1/ 1976 م مطبعة الأمانة.

(7) 59 - شعر زهير ص 5.، مسحل: الحمار الوحشيّ اللسّ: الأخذ بمقدمة الفم، السراء: شجر تؤخذ منه القسي. والبيت من الطويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت