جَحَافِلُهْ
فقد توسطت الكاف بين المشبه: ثلاث شياه - الحمر الوحشية - والمشبه به: أقواس السراء، وهو تشبيه يستدعي التشابه في هيئة المشبه والمشبه به مما يبين عن قدرة الشاعر في إدراك العلاقات بين المدركات التي يقع عليها بصره، فيقوم بوصفها مقربًا صورتها للمتلقي الذي يجد أثر البيئة في الصورة واضحًا ذلك أن زهيرًا أراد تشبيه الحمر الثلاثة بالضمور والضعف والهزال الذي بدت مظاهره في انحناء الظهر بسبب امتناعهن عن شرب الماء والرعي من الرطب الأخضر، فبدت ظهورها مقوسة، كما أن القسيّ المصنوعة من شجر السراء تكون مقوسة، وإذا كانت القسي قد مُنع عنها الماء عند اقتطاعها فبدت على هذه الصورة، كذلك امتنعت الحمر عن الماء، فأصيبت بالهزال الذي تقوس معه ظهرها. ومن ذلك قول كعب [1] [طويل] :
وَإِذْ هِيَ كَغُصْنِ الْبَانِ خَفَّاقَةُ الْحَشَا ... يَرُوعُكَ مِنْهَا حُسْنُ دَلٍّ وَطِيبُهَا
وتشبيه المرأة في ضمور قدها ولينه واستقامة عودها بغصن البان من التشبيهات السائرة عند الشعراء العرب؛ لأن البان ضرب من الشجر سبط القوام لين ورقُه كورق الصفصاف، يشبه به الحسان في الطول واللين، وكذا قدودهن تشبه به في الطول واللين ومع كل ذلك نجد كعبًا يؤكد جمال هذه الأوصاف الحسية والمعنوية للمرأة بكونها خفاقة الحشا ضامرة وكلامها وحسن طيبها وهو مما يعجبه ويروعه.
ويصون الحطيئة نفسه عن طلب المال والسعي وراءه خاصة إن كان من ذوي اللؤم رغم حاجته الشديدة للمال فيقول [2] :
وَكُنْتُ كّذَاتِ الْبَعْلِ ذَارَتْ بِأَنْفِهَا ... فَمِنْ ذَاكَ تَبْغِي غَيْرَهُ وَتُهَاجِرُهْ
وهو في حالته تلك يشبه المرأة المتزوجة عافت زوجها وكرهته رغم حاجتها إليه، أو هو يشبه - على الرواية الأخرى - ذات البو وهي الناقة والبو ولدها يذبح ثم يؤخذ جلده، فيحشى بالثمام وغيره، ثم تعطف عليه أمه؛ حتى لا ينقطع عنها لبنها، وبرغم ذلك ورغم حاجتها إليه، فإنها تشيح بأنفها عنه ولا تشمه كارهة إياه، ومن ثمة ندرك قدرة الشاعر على إدراك العلاقات بين أطراف الصورتة تلك العلاقة التي لا تقف عند حد التشابه بينه وبين الناقة في مثل هذا الموقف وإنما تشير الصورة إلى أن الناقة وإن كانت محبة لولدها، فإنه عافته لما خلت منه روحه، مثلما كره الحطيئة المال وقد صحبه المن واللؤم من أصحابه.
(1) 6.- ديوان كعب ص 154.
(2) 61 - ديوان الحطيئة ص 26، والبيت من الطويل.