الصفحة 13 من 63

ومن الملاحظ على الجملة التشبيهية التي وردت فيها الكاف مفردة أن الكاف قد وردت في ترتيبها الطبيعي أي متوسطة بين المشبه والمشبه به اللذين جاءا اسمين مفردين، ولم ينحرف عن هذا الترتيب سوى زهير في بيت واحد يقول فيه [1] [كامل] :

وَعَرَفْتُ أَنْ لَيْسَتْ بِدَارِ تَئِيَّةٍ ... فَكَصَفْقَةٍ بِالْكَفِّ كَانَ رُقَادِي

فهو يشبه لبثه أو مقامه بهذه الدار التي لم تكن كما أراد دار مقامة وتئية وتلبث بصفقة الكف، وهو تشبيبه يوحي بسرعة خروجه من هذه الدار، وسرعة الخروج تستدعي عدم إحساسه بأي أثر لها في نفسه مثلما لا تترك صفقة الكف المتسرعة في أذن من يسمعها أثرًا.

وأما الصورة الثانية التي وردت عليها كاف التشبيه في شعر هؤلاء الشعراء، فهي الكاف التي اتصلت بها ما المصدرية، وفي هذه الصورة التشبيهية تلزم الكاف مكانها وسط طرفيْ التشبيه، وينصرف مدلولها آنئذٍ إلى تشبيه الأحداث أو الأفعال والهيئات، من ذلك قول أوس عن ديار تماضر وقد ارتحلت وأهلها عنها [2] :

تَمْشِي بِهَا رُبْدُ النَّعَامِ كَمَا ... تَمْشِي إِمَاءٌ سُرْبِلَتْ جُبَبَا

إن خلاء الدار من أهلها كان دافعًا لمختلف الحيوانات أن يسكنّها ويلعبن بها في حرية وحركة غير مقيدة استطاع أوس أن يلمح من بينها حركة النعام التي تتراوح ألوانها بين الغبرة والسمرة، فهي تمشي بها مشية كمشية الإماء في ديار سادتهن وقد ارتدين الجبب المختلفة الألوان، ويعلل المرزباني هذه الصورة التشبيهية لمشي النعام في الديار المهجورة بمشي الإماء بقوله:"لأن النعامة إذا خفضت عنقها وشمت كان أشبه شيءٍ بماشٍ وعلى ظهره حمل" [3] ، ويبدو أن هذه الصورة قد كانت من الصور المعروفة عند الشعراء القدامى الذي كانوا يتحدثون عن عمل الإماء في ديار سادتهن، إذ كن يحتطبن ويمشين مشية شبيهة بمشية النعام في الديار المهجورة بعد ارتحال أهلها عنها، من ذلك قول الأخنس بن شهاب [4] [طويل] :

فَمَنْ يَكُ أَمْسَى فِي بِلاَدِ مُقَامَةٍ ... يُسَائِلُ أَطْلاَلًا بِهَا لا تُجَاوِبُ

فَلاِبْنَةِ حِطَّانَ بْنِ قَيْسٍ مَنَازِلٌ ... كَمَا نَمَّقَ الْعُنْوَانَ فِي الرَّقِّ كَاتِبُ

تُمَشِّي بِهَا حُولُ النَّعَامِ كَأَنَّهَا ... إِمَاءٌ تَزَجِّي بِالْعَشِيِّ حَوَاطِبُ

(1) 62 - شعر زهير ص 238.

(2) 63 - ديوان أوس ص 1.

(3) 64 - المرزباني: الموشح - سابق - ص 45.

(4) 65 - التبريزي: شرح ديوان الحماسة 1/ 299 - دار القلم - بيروت - د. ت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت