ويقول طرفة بن العبد [1] [مديد] :
حَابِسِي رَسْمٌ وَقَفْتُ بِهِ ... لَوْ أُطِيعُ النَّفْسَ لَمْ أَرِمُهْ
لا أَرَى إِلاَّ النَّعَامَ بِهِ ... كَالإِمَاءِ أَشْرَفَتْ حُزَمُهْ
ومن استخدام الكاف التشبيهية وقد اتصلت بها ما المصدرية قول زهير مصورًا حركة القطاة العطشى نحو الماء، هاربة من الصقر الذي يتتبعها والغلام الذي يهم بإمساكها [2] [بسيط] :
حَتَّى اسْتَغَاثَتْ بِمَاءٍ لاَ رِشَاءَ لَهُ ... مِنَ الأَبَاطِحِ فِي حَافَاتِهِ الْبُرَكُ
مُكَلَّلٍ بِأُصُولِ النَّبْتِ تَنْسُجُه ... رِبحٌ خَرِيقٌ لِضَاحِي مَائِهِ حُبُكُ
كَمَا اسْتَغَاثَ بِسَيْئٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ... خَافَ الْعُيُونَ فَلَمْ يُنْظَرْ بِهِ الْحَشَكُ
فهذه الصورة التشبيهية التي امتدت بين الأبيات الثلاثة وبرغم ذلك فهي صورة جزئية منتزعة من بيئة الشاعر، حيث القطاة والماء والنبت والبقرة وولدها والصائد، وكلها مفردات استطاعت الصورة التشبيهية جمعها برغم التباعد الواقعي فيما بينها، فصورة القطاة التي تلجأ إلى الماء بعد عناء الفرار من الصقر الذي يريد أن ينال منها وينقض عليها، فتنزل إلى الأرض ولكنها ليست أحسن من الطيران في الجو إذ يحاول الإمساك بها، ولكنها تفر إلى الماء المغطى بالنبت وقد طوحته الريح يمنة ويسرة مما أتاح لها الفرار من ناحية ومن ناحية أخرى الشرب من هذا الماء الجاري السهل الذي لا يعوز الظمآن لجهد نواله، كل هذه الصورة المتحركة شبيهة بصورة ولد البقر - فز - عندما يفيء إلى ما في ضرعها من اللبن - سيْئ - وقد أحاط به هذا الشجر الكثيف - غيطلة - فكان ستارًا يخفيه عن أعين الراعي الذي لا يريد أن يدعه ورضاعه.
ومن ثمة ندرك أن الوجه الجامع بين طرفيْ الصورة التشبيهية هو الخوف المسيطر على كل منهما: القطاة من الصقر، وولد البقرة من الراعي، الخوف الذي دفعهما إلى احتيال الهرب والنجاة، فالقطاة تستغيث بالماء وشجره، والفز يستغيث بضرع أمه الذي يمنحه الأمان إلى جانب الغذاء، وكذلك فعل الماء مع القطاة.
ويصور كعب بن زهير المرأة - سعاد - التي لا تحافظ على وصله و لا تحفظ له عهدًا في لاميته فيقول [3] [بسيط] :
وَمَا تَمَسَّكُ بِالْوَصْلِ الَّذِي زَعَمَتْ ... إِلاَّ كَمَا تُمْسِكُ الْمَاءَ الْغَرَابِيلُ
(1) 66 - ديوان طرفة بن العبد بعناية حمدو طماش ص 79 - ط? 1 ? 2 .. 3 م دار المعرفة، وانظر: د/ أحمد الحوفي: المرأة في الشعر الجاهلي ص 5.3 دار نهضة مصر.
(2) 67 - شعر زهير ص 84 - 85.
(3) 68 - ديوان كعب ص 29.