الصفحة 15 من 63

إن الوسائل اللغوية التي يستخدمها الشاعر في بناء صورته لتجسد حقيقة هذه المرأة، وكأنها قد جبلت على نقض العهد، بل إنها إلى صورة أكثر قبحًا عندما يصورها بصورة الغربال لا يحتفظ بالماء يلقى عليه فإذا احتفظ الغربال بالماء، فإنها سوف تحفظ الوصل، ولكن القياس ممتنع بدالة النفي التي صدر بها البيت، ودالة الاستثناء، وكلتاهما تؤكد على عدم حفاظها على عهودها التي تتفلت منها مثلما يتفلت الماء من ثقوب الغربال فلا يبقى به شيء.

ويقول الحطيئة [1] [طويل] :

لَهَا أُسُّ دَارٍ بِالْعُرَيْمَةِ أَنْهَجَتْ ... مَعَارِفُهَا بَعْدِي كَمَا يُنْهِجُ الْبُرْدُ

فالبلى والدروس الذي أصاب معارف الدار الكائنة بالموضع المعروف بالعُرَيْمة في بني فزارة يشبه البلى والدروس الذي يصيب الثوب، والتشبيه يشير إلى ما بين الطرفين من تشابه في البلى والاهتراء لكنه مع ذلك يظل ثوبًا له قيمته عند صاحبه مثلما كانت الدار قيِّمة عنده.

كأنّ:

أثارت هذه الأداة التشبيهية جدلًا واسعًا بين القدماء من ناحيتين الأولى منهما تتعلق بكونها بسيطة أم مركبة، فمن ذاهب إلى القول ببساطها؛ لأن"الألفاظ في الأصل بسيطة والتركيب طارئ فالالتفات إلى الأصل أحسن، إذ لا ضرورة توجب التركيب و لا قطع بموجبه" [2] إلى جانب كونها من الحروف، ومن ثم فيكون القول ببساطتها"لجمود الحروف مع وقوعها فيما لا يصح فيه التأويل بالمصدر المناسب لأنّ المفتوحة" [3] .

ومن ذاهب إلى القول بتركبها وأصلها"إنّ لحقتها الكاف للتشبيه، ولكنها صارت مع إنّ بمنزلة كلمة واحدة" [4] وحلل ابن جني بنيتيها اللغوية والدلالية في قوله:"أصل قولنا: كأنّ زيدًا عمرو إنما هو: إن زيدًا كعمرو، فالكاف هنا تشبيه صريح وهي متعلقة بمحذوف فكأنك قلت: إنّ زيدًا كائنٌ كعمرو، ثم إنهم أرادوا الاهتمام بالتشبيه الذي عليه عقدوا الجملة، فأزالوا الكاف من وسط الجملة وقدموها إلى أولها لإفراط عنايتهم بالتشبيه، فلما أدخلوها على إنّ من قبلها وجب فتح إنّ؛ لأن المكسورة لا يتقدمها حروف الجر، ولا تقع إلا أولًا أبدًا، وبقي معنى التشبيه الذي كان فيها وهي متوسطة بحاله" [5] .

وقريب من هذا ذهب الزمخشري فيما قال السبكي [6] ويبدو كلام القائلين بالتركيب أقرب إلى الحقيقة من غيرهم؛ لأن دخول الكاف على إنَّ أو أنَّ منتج لدلالة جديدة لا تنتجها الأداة إذا كانت مفردة، وهذه الدلالة هي التوكيد المرتبط باستخدام إنّ أو أنّ، وهو توكيد يستدعي المبالغة في التشبيه، وقوته التي بدت في الاستعمال القرآني فقد استخدمت ملكة سبأ كأن عندما عُرض عليها عرشها،

(1) 69 - ديوان الحطيئة ص 243.

(2) 7.- أحمد بن عبد النور المالقي: رصف المباني في شرح حروف المعاني ص 226.

(3) 71 - المغربي: مواهب الفتاح تحقيق د/خليل إبراهيم 2/ 16.-ط 1/ 2 .. 3 م دارالكتب العلمية

(4) 72 - هذا من كلام الخليل بن أحمد فيما رواه سيبويه: الكتاب - سابق - 3/ 151.

(5) 73 - ابن جني: سر صناعة الإعراب تحقيق د/حسن هنداوي /3.4 ط 2/ 1993 م دارالقلم

(6) 74 - السبكي: عروس الأفراح - سابق - 2/ 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت