الصفحة 16 من 63

وسُئلت عنه فقالت {كَأَنَّهُ هُوَ} [1] وقد كان هو عرشها بالفعل مما يدل على أن الأداة التشبيهية كأنّ تستخدم عندما يعظم التشابه بين الطرفي حتى يصير أحدهما كأنه الآخر، وما ذلك إلا لوجود أداة التوكيد المقترنة بالكاف.

وأما الناحية الثانية التي أثارتها كأنّ فهي كونها دالة على التشبيه أو غيره، قال السبكي في عروس الأفراح:"ما تقدم من أن كأنّ للتشبيه على الإطلاق هو المشهور، وذهب الكوفيون والزجاج وابن الطراوة وابن السيد إلى أنها إن كان خبرها جامدًا فهي للتشبيه، وإن كان مشتقًّا، فهي بمنزلة ظننت وتوهمت، قال ابن السيد: إن كان خبرها فعلًا أو جملة أو صفة فهي فيهنّ للظن والحسبان، ولا تكون للتشبيه إلا إذا كان الخبر مما يُمثل به" [2] أي الخبر الجامد.

والذين قالوا بالتشبيه إنما ذهبوا إلى تأويل المشتق بموصوف محذوف يقدر على حسب السياق، فهم يقولون في مثل: كأن زيدًا قائم: كأنه شخص قائم، فحذفوا الموصوف وأقاموا الصفة مكانه للإيجاز، وقد رد صاحب مواهب الفتاح ذلك بقوله:"ولا يخفى ما في هذا التقدير من التكلف المخرج للكلام عما يُفهم منه بداهة" [3] بيد أن هذا التعليل لا يقدح من حقيقة التشبيه؛ لأن بناء الرأي كان على أمثلة جاهزة، أو جمل مقتطعة من سياق يقرر حقيقة التشبيه من عدمه، إلى جانب أن بعض الشعراء قد لا يحذف الموصوف إذا كانت الصفة مشتقة ليؤكد على الدلالة التشبيهية، فهذا زهير يشبه حمار الوحش وهو يدعو الآتن ويجاوبها فيقول [4] [وافر] :

فَآضَ كَأَنَّهُ رَجُلٌ سَلِيبٌ ... عَلَى عَلْيَاءَ لَيْسَ لَهُ رِدَاءُ

فذكر كلمة رجل وبعدها مشتق صفة لها؛ لأنه يريد تشبيه الحمار بالرجل المسلوب عنه رداؤه.

ويبدو أن الكثرة اللافتة للنظر من دخول كأنّ على الأسماء الجامدة والمشتقة هو الذي دفع إلى مثل هذا الجدل، وقد تبين مما سبق أن دلالة التشبيه على إطلاقه معها هو الأصل وهو المشهور؛ لأنه لو كان منتجًا لدلالة أخرى غير التشبيه، فإن في الثروة اللغوية المتاحة بين يديْ المبدع من الدوال المنتجة للظن والتوهم ما يغني عن هذه الأداة وكيف يقال بالظن والتوهم مع وجود دالة التأكيد أنّ؟!.

فمن دخول كأن على الجامد قول أوس عن الغبار تثيره حوافر الخيل في يوم عاصف [5] [طويل] :

فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كَأَنَّ غُبَارَهَا ... سُرَادِقُ يَوْمٍ ذِي رِيَاحٍ تَرَفَّعُ

فقد دخلت كأن على المشبه غبارها لأنه"مخبَر عنه والمخبر عنه اسم كأن لا خبرها، فليس تقديمه لكونه مشبهًا، بل لكونه اسمًا لها ومخبرًا عنه" [6] وتأخر المشبه به سرادق الجامد والدلالة المرادة هنا تشبيه

(1) 75 - سورة النمل الآية رقم 42.

(2) 76 - السبكي: عروس الأفراح - سابق - 2/ 194.

(3) 77 - المغربي: مواهب الفتاح - سابق - 2/ 161.

(4) 78 - شعر زهير ص 133.

(5) 79 - ديوان أوس ص 59.

(6) 8.- السبكي: عروس الأفراح - سابق - 2/ 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت