الصفحة 17 من 63

الغبار في كثافته وكثرته وارتفاعه في سماء المعركة بالسرادق العظيم ترفع الريح أطرافه في هذا اليوم العاصف بالرياح، أو بشدة المعركة. وقول زهير [1] [طويل] :

كَأَنَّ فُتَاتَ الْعِهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ ... نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّم

يشبه ما تفتت من قطع الصوف الأحمر المنثور على جانبيْ الهودج بحبِّ الفنا ذي اللون الأحمر حال كونه لم يُحطم؛ لأنه إذا تحطم تغير لونه. وقول كعب [2] [بسيط] :

مَا أَنْسَ لاَ أَنْسَهَا وَالدَّمْعُ مُنْسَرِبٌ ... كَأَنَّهُ لُؤْلُؤٌ فِي الْخَدِّ مَحْدُورُ

فهو يشبه الدمع المنسرب على خد المرأة باللؤلؤ المتحدر، وهو تشابه شكلي تدفع شكليته هذه ما يمكن أن يواجه به من مباينة الصورة للجو الذي يتحدث عنه؛ إذ اللؤلؤ يستدعي البهجة والأنس بجمال منظره وعلو قيمته، وذا مما لا يناسب الدمع المنهمرة على الخد بدلالتها على الحزن، ولكن يبقى التشابه الشكلي الذي لا ينفي مكانة الدمع من نفسه مثلما هي مكانة اللؤلؤ عند من يتأمله، وقول الحطيئة [3] [م كامل] :

فِي الآلِ تَرْفَعُهَا الْحُدَا ... ة كَأَنَّهَا سُحُقٌ مَوَاقِرْ

يشبه هوادج الظعائن فوق ظهر الإبل وقد زُينت بالصوف المختلف الألوان بين الحمرة والصفرة والخضرة بالنخل الطويل وقد حمل من البُسر ما اختلف ألوانه بين الحمرة والصفرة والخضرة، وقد تخير الشاعر وقت الضحى حيث الآل أو السراب الذي تنعكس فيه الألوان المتعددة في الهودج أو على النخل، فتجذب العين إلى جمالها.

وإذا كانت الأداة التشبيهية كأنّ قد دخلت على الأسماء الجامدة - المشبه به الجامد - في الأبيات السابقة، فإنها قد دخلت كذلك على الأسماء المشتقة، من ذلك قول أوس [4] [بسيط] :

يَنْزِعُ جِلْدَ الْحَصَى أَجَشُّ مُبْتَرِكٌ ... كَأَنَّهُ فَاحِصٌ أَوْ لاَعِبٌ دَاحِي

فهو يشبه المطر الذي يسوق كل شيء يعترضه على وجه الأرض من الحصى وغيره بالرجل الفاحص يضرب تراب الأرض فيفرقه، أو برجل داحٍ يلعب بالمدحاة، وقد دخلت كأن على المشبه المشتق: فاحص داحي وقد حذف من الأول الموصوف المحذوف وركز على الوصف المشبه فعل المطر، ثم إنه

(1) 81 - شعر زهير ص 13.

(2) 82 - ديوان كعب ص 184.

(3) 83 - ديوان الحطيئة ص 53.

(4) 84 - ديوان أوس ص 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت