فكلمة أبيض في صدر البيت كناية عن نقائه من العيوب، وقال الحطيئة [1] [م- كامل] :
لاَ يَفْشَلُونَ وَلاَ تَبِيـ ... ـتُ عَلَى أُنُوفِهِمُ الْخَوَاطِمْ
فقوله: و لا تبيت على أنوفهم الخواطم كناية عن عدم اللؤم والعار، والخواطم كل ما يوضع على الأنف فيخطمه، وقد استخدم الأنف هنا لأنها مناط العزة والكبرياء.
ومن المثالب التي صورها هؤلاء الشعراء كنائيًّا عدم الوفاء بالعهود، أو عدم الحفاظ عليها وهي ما تستدعي مثلبة الغدر، قال أوس [2] [طويل] :
فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ إِلاَّ أَقَلَّهُمْ ... خِفَافَ الْعُهُودِ يُكْثِرُونَ التَّنَقُّلاَ
فقوله: خفاف العهود كناية عن عدم الحفاظ عليها، فضلًا عن عدم الوفاء بها، وجاء قوله: يكثرون التنقلا لتأكيد هذه الدلالة الكنائية، فالرجل الذي لا يحفظ العهود ولا يفي بها يسهل عليه التحول والتغير من حال إلى أخرى.
وإلى جانب ما سبق من الكنايات التي دارت في فلك الكرم، والحرب وتداعياتها، والمكارم والمثالب نجد عددًا من الكنايات التي عبرت عن دلالات أخرى منها التعبير عن الندم بعض الأصابع كالذي نجده في قول أوس [3] [طويل] :
فَعَضَّ بِإِبْهَامِ الْيَمِينِ نَدَامَةً ... وَلَهَّفَ سِرًّا أُمَّهُ وَهْوَ لاَهِفُ
فقوله: عض بإبهام اليمين كناية عن الندم، وقد أكد الشاعر هذه الدلالة بكلمة ندامة، ومن ثمة يكون الفعل نفسه: عض الإبهام دالا على هذا المعنى الذي يفيد إلى جانب الندم التحير والقلق الذي يجعله لا يدري ما يفعل، فيلجأ إلى عض إبهام يده، وهو ما نجده عند كعب الذي يتناص والبيت السابق تناصًّا يجمع بين البنية اللغوية والبنية الدلالية في قوله [4] [طويل] :
يَعَضُّ بِإِبْهَامِ الْيَدَيْنِ تَنَدُّمًا ... وَلَهَّفَ سِرًا أُمَّهُ وَهْوَ نَادِمُ
ونجد الكناية هنا أشد وقعًا في التعبير عن الندم من خلال مظهرين لغويين أولهما: أنه جعل النادم يعض إبهامي يديه جميعًا، وليس اليمين كما عند أوس، وثانيهما التكرار الدلالي اللفظي الذي نجده في دلالة الكناية على الندم، وتكرار مادة ندم في نهاية الصدر ونهاية العجز.
(1) 184 - ديوان الحطيئة ص 264.
(2) 185 - ديوان أوس ص 91.
(3) 186 - ديوان أوس ص 72.
(4) 187 - ديوان كعب ص 121.