ثبته الله جل وعلا نسأل الله الثبات على دينه وأن لا يضلنا بعد إذ هدانا: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [1] .
قال رحمه الله: (وأما الجواب المفصل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدون بها الناس عنه: منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم. فجاوبه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بما ذكرت، ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئًا وإنما أرادوا الجاه والشفاعة، واقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه ووضحه.
هذه أول شبهة سيكشفها الشيخ في كشف الشبهات، وهي نحو ثلاث عشرة شبهة، ثلاثة منها هي الرئيسية التي يكثر ذكرها من أولئك. هذه أولها:
1 -الشبهة الأولى:
وهو قولهم: (نحن لا نشرك بالله بل نعتقد أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله وحده) ، هذه الشبهة تفيد أن صاحبها وملقيها! ما عرف التوحد الذي جاءت به الرسل؛ لأنه قال: نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله هذا هو توحيد الربوبية وهذا هو الذي قاتل النبي صلى الله عليه وسلم الكفار مع أنهم أقروا بالربوبية لكن ما نفعهم إقرارهم بها وحدها، إذن هو ما عرف الشرك وما عرف التوحيد! فهذه الشبهة وما أكثر ما نسمعها من هؤلاء وأمثالهم، بل إن من طاوعهم على هذه الشبهة قادتهم إلى أن أشركوا بالربوبية؛ لأن هؤلاء المعتكفين عند المقامات والأضرحة المتعلقين بالأنبياء والصالحين اعتقدوا فيهم الآن فيهم التأثير والنفع والضر والتصرف في الكون بعد ما كانوا يعتقدون أنهم مجرد وسائط إلى الله، ويعترفون أن المقصود وهو الله، والنافع الضار المؤثر المتصرف هو الله، لكنهم مع تطاول المدة وعدم الإنكار بلغوا هذا الحد، وانتقلوا من الشرك القبيح في العبادة إلى ما هو أقبح منه الشرك في الربوبية.
وقوله (واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه) يعني الآيات التي جاءت أن هؤلاء أقروا بذلك مثل قوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] وقوله سبحانه: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] ، يقولون المقصود هو الله لكن هؤلاء وسائط يشفعون لنا وضح له هذه الآيات فهمها إياه، الحجة لا تقوم إلا بفهم لها يعرفها وليس مجرد أن يردها من غير إدراك لمعانيها.
قال رحمه الله: (فإن قال هذه الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كف تجعلون الصالحين مثل الأصنام، أم تجعلون الأنبياء أصنامًا؟ فجاوبه بما تقدم) .
(1) ... سورة آل عمران الآية (8) .