الصفحة 62 من 66

كما نقل مثل ذلك عن مالك رحمه الله وغيره، وحكي عليه اتفاق السلف غير واحد!.

وهذا سبق أن قررناه غير مرة أن الاستغاثة من الحي القادر الذي يستطيع أن يعينك ويسمع كلامك وينصرك جائز كما قال تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ} ، وكذلك يوم القيامة النبي يسمعك، حيث يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإنهم يسمعونهم، لا أنه يدعوهم بعد موتهم، بعد مغادرتهم للدنيا، وبعد انفصال الدارين: دار الدنيا عن دار البزرخ بعضها عن بعض؛ فإن هذا هو الشرك الذي حذرهُ الصحابة ولم يقع من أحد منهم البتة.

قال رحمه الله تعالى: (ولهم شبهة أخرى: وهي قصة إبراهيم لما أُلقي في النار اعترض له جبريل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا .. قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم؟ فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدرُ عليه، فإنه كما قال تعالى فيه: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 5] فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويُلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير، يرى رجلًا محتاجًا فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهبه شيئًا يقضي به حاجته فيأبى ذلك المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟!) .

13 -الشبهة الثالثة عشرة:

وهي الأخيرة وخلاصتها ومقصودها: جبريل أهو حي أو ميت؟! أيسمعه أولا يسمعه؟ لكن نسأل الله أن لا يطبع على قلوبنا وأن لا يضلنا بعد إذ هدانا، وهذا ظاهر ف يكشفها، وهي أن الاستغاثة لو حصلت من إبراهيم بجبريل عليهما الصلاة والسلام فإنه يقدر عليه ويسمعه، وهي من الاستغاثة الجائرة.

وأما أنها لم تحصل لأن إبراهيم عليه السلام إنما فوض أمره إلى ربه ومعبوده لكمال إيمانه وتوحيده وتقواه فوض الأمر إلى الله وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.

ولذا ثبت في الصحيح [1] قول ابن عباس رضي الله عنهما: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم، حين قال لهم الناس: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران] ثم ختم الشيخ بخاتمة بديعة جليلة:

لكشف الشبهات

(1) ... أخرجه البخاري في كتاب «التفسير، باب تفسير سورة آل عمران، 3/ 211» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت