قال رحمه الله تعالى: (ولهم شبهة أخرى: وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يوم القيامة سَيَتَغَيَّثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا) .
12 -الشبهة الثانية عشرة:
ومؤداها وباعتها: انظروا إلى أهل الباطل كيف يبحثون عن تبرير لشركهم ولو في أشياء محتملة، مع أن هذا المعنى الذي أشاروا إليه بعيد من هذا الحديث، وهذا إنما يكون يوم القيامة ليس في الدنيا، ولو كان في الدنيا مشروع سائغ لاستغاث الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم لما أصابتهم الخطوب المدلهمة وتكالبت عليهم الأعداء، ومع ذلك ما فعلوا ذلك، بل إنهم كادوا أن يهلكوا من شدة العطش ومع ذلك؛ استغاثوا بالله جل وعلا وتوسلوا بدعاء صالحيهم من الأحياء: بالعباس وهو حي!، فلماذا ذهبوا إلى من هو أقل فضلًا ورتبة وشرفًا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وتركوا ولم يتوجهوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولم يقولوا: يا نبي الله اشفع لنا؟! استسق لنا؟! فهل هؤلاء أصح فهومًا وأدق أفهامًا وعلومًا من الصحابة؟!! حاشا والله، لكن هؤلاء أهل شبه وتلبيس وتدليس على الناس ليزينوا لهم ويسوغوا لهم وقوعهم باشرك، ولا ينكر عليهم أهل التوحيد والإيمان. فهو منهم تبريرًا لأهوائهم وحماية لمنافعهم ومكتسباتهم من تعظيم المقامات والانتصار للذات والعقائد الفاسدة التي هم عليها، فتنبه لهذا المعنى وتأمله فهو بيت القصيد! والله المستعان. فهؤلاء مرجئة مع هؤلاء القبوريين مرجئة مع المشركين لا يُنكرون عليهم بل يعتقدون أنهم إما على حق وأنهم على مباطل لكن ما يستحقون الشرك ولا الكفر بالله جل وعلا.
وهم خوارج مكفرة لأهل الإيمان والتوحيد أهل السنة والجماعة.
قال رحمه الله تعالى: والجواب: أن نقول سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها؛ كما قال الله تعالى في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى} [القصص: 15] وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.
إذا ثبت ذلك، فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف.
وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك، ويسمع كلامك، فتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه الدعاء في حياته.
وأما بعد موته فحاشا! وكلا! أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه!!!