الصفحة 118 من 142

قوله تعالى: (جَعَلَهُ دَكَّاء) {الكهف: 98} يعني السد الذي بناه ذو القرنين، قال ابن عطية: (((دَكَّاء) فيحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا لـ (جعل) ويحتمل أن يكون جعلَ بمعنى خلقَ، ويُنصب (دَكَّاء) على الحال )) [1] وقال أبو حيان معقبًا على قول ابن عطية: (( وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ السد إذ ذاك مخلوق وموجود، ولا يُخلَق المخلوق، لكنَّه ينتقل من بعض هيئاته إلى هيئة أخرى ) ) [2]

وهذا البعد يحصل لو كانت جعل بمعنى خلقَ، بل الفرق بينهما أساسي، وقد سبق أن ذكرت أنَّ جعل هي الفعل الوحيد من بين أفعال التحويل الذي يدل على معنى التصيير، وهو يدل على هذا المعنى سواء تعدَّى لواحد أم تعدَّى لاثنين، والجعل أعم من التصيير، فهو كالتصيير يعني تحويل الشيء من حالة إلى أخرى، ويعني أيضًا جعل شيء من شيء.

6 -هناك مأخذ عام أساسي يكفي وحده أن يمثل الطامة الكبرى التي جاءت من هذا التضمين، وهو أنَّهم من أجله تعمدوا تغيير دلالة الفعل وصرفه عن معناه الموضوع له قال ابن عصفور (( تنصب مفعولين إذا كانت بمعانيها ) ) [3] وهذا يعني أنَّها تنصب مفعولًا واحدً إذا جعلناها بغير معانيها، فللنحاة الحق في أن يلغوا أو يعدلوا ويغيروا ما صنعوه واختلقوه من قواعد، إذا وجدوا شواهد قرآنية تخالفها كزعمهم بأنَّ ظنَّ وأخواتها تتعدى لمفعولين، لكن ليس لهم الحق ولا لغيرهم في أن يغيروا دلالة الأفعال ويضمنوها معاني

(1) المحرر الوجيز 3/ 544.

(2) البحر المحيط 6/ 205 وينظر: الدر المصون 7/ 550 - 551.

(3) المقرب ص 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت