أراد سرج منارة [1] .
وقد درس ابن رشيق هذا الفن تحت اسم: «المحاورات» قال: ومن محاورات امرئ القيس التي تقدم فيها وفات الناس قوله:
وتقول وقد جردتها من ثيابها ... كما رعت مكحول المدامع أتلعا
وعيشك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا [2]
ونلاحظ تأثير ابن رشيق بآراء ابن فارس حول دراسته الشعر أوزانه وقوافيه وضروراته وأخطاء الشعراء.
غير أن نظرة ابن رشيق في القراضة إلى هذا الموضوع تنطلق من نظرة أقرب إلى الذوق في استحسان البيت من خلال خفة الوزن وعذوبة اللفظ ومليح التشبيه وحسن الاستعارة فهي دراسة فنية تعتمد على استجلاء هذه الخصائص.
ونظرة ابن فارس نظرة نقدية صرفة تبدأ بنفي الشعر عن القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
وتحتم بأنه «قد يكون شاعر أشعر, وشعر أحلى وأظرف؟ فإما أن تتفاوت الأشعار القديمة حتى يتباعد ما بينها في الجودة فلا, وتحتم على الشاعر أن لا يقع فليس من حقه أن يأتي في شعره بما لا يجوز» [3] .
وها الكلام الذي ذكرناه في موضوعات هذا الفصل خلاصة لتأثر ابن رشيق في جهوده النقدية والبلاغية في القراضة بجهود غيره.
ولما كان من تمام الفائدة وجودة الموازنة أن يقف الناظر على ملامح التأثير بين أديبين وعالمين من قديم إلا أثر في محدث وبخاصة في موضوعات الأدب والنقد, لأن الكلمة نبع مشاعر في التعبير عن الرأي, وتوضيح الحجة وقيام الدليل, ونصيب القرينة.
ولذلك سنستخلص ملامح تأثير ابن رشيق في جهوده ممن عاصره وممن جاء بعده من خلال عدد من القضايا النقدية المشتركة.
ولعل من الجيد في هذا الموضوع أن نعود إلى قضية نقدية كبرى سبق إلى دراستها قبل ابن رشيق أبو هلال العسكري, لتكون أول القضايا المشتركة لقرب التشابه في العناية بها ودراستها عند ابن رشيق. وتلك القضية هي «موضوع السرقات الأدبية, فإن آراء ابن رشيق حولها تكاد تكون مستوحاة من آراء أبي هلال.
(1) الصاحب لأحمد بن فارس ص 256.
(2) القراضة ص 42.
(3) القراضة ص 42.