دوافع اختيار الموضوع
«منهجه - مصادره ومراجعه»
مر الدرس البلاغي والنقدي بمراحل ثلاث منذ بدايته في أوائل القرن الثالث الهجري إلى بدء ازدهاره في أواخر ذلك القرن والقرن الرابع. إلى اكتماله ونضجه ثمرته في القرن الخامس الهجري.
ثم ولي تلك المرحلة الثالثة مرحلة تباين عطاؤها وتنوعت طرقها وتشعبت مدارسها غير أنها ذات مصب واحد. تلك هي مرحلة التقنين والتقعيد وحصر الأقسام ورد الأشباه إلى الأشباه. والنظائر إلى النظائر على يد السكاكي ومن نحا نحوه في المدرسة التقعيدية إبان القرن السادس الهجري وما بعده إلى عصر النهضة الحديثة.
ففي أوائل القرن الثالث الهجري حتى نهايته, نجد جهودًا مثمرة لطائفة من العلماء الذين خدموا البلاغة العربية والنقد العربي.
وانبثق عطاؤهم العلمي من مصدر فياض ونمير عذب هو كتاب الله الكريم الذي جعله أولئك العلماء قبلة تفكيرهم, ومصدر جهودهم, وقاعدة دراستهم البيانية في استجلاء ألفاظه, وشرح معانيه, وتبين أسراره الجمالية, ونواحي إعجازه.
ولعل من أقدم تلك الجهود ما حرره أبو عبيدة معمر بن المثني (ت 210 هـ) في كتابه:
«مجاز القرآن» , وما حرره ابن قتيبة أبو محمد عبدالله بن مسلم «ت 276 هـ» في كتابة: «تأويل مشكل القرآن» .
وكالجهد الذي أفرغه الرماني «ت 384 هـ» في كتابه «النكت في إعجاز القرآن» وغير ذلك كثير مما سرده مؤرخو البلاغة والنقد من آثار علمية في هذا السبيل [1] .
ولعل تلك الحقبة الزمنية هي العهد الذي اختص بدراسة البلاغة العربية في دائرة الإعجاز القرآني.
حتى إذا جاء القرن الرابع الهجري امتد السير البياني ليشمل دراسة الأدب ونقده وتكون مرحلة الازدهار على أيدي طائفة أخرى من العلماء الذين تخصصوا في دراسة البلاغة العربية والنقد الأدبي جاعلين محور دراساتهم النصوص القرآنية الفريدة وجيد المنظوم والمنثور من كلام العرب, حتى وسعوا دائرة البحث في البلاغة والنقد كالذي في كتاب: «عيار الشعر لابن طباطبا» (ت 322 هـ) وكالذي
(1) انظر في ذلك: كتاب تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي «ت 406 هـ» ، وكتاب: إعجاز القرآن للباقلاني (ت 403 هـ) , والجمان في تشبيهات القرآن لابن ناقيا البغدادي (ت 548 هـ) وبديع القرآن لابن أبي الأصبع (ت 585 هـ) , وتحريز التحبير له أيضًا.