تعد الموازنات النقدية بين كلام وكلام وشعر وشعر من أبرز المقاييس النقدية التي اتخذها النقاد قديمًا وحديثًا معيارًا نقديًا يقومون بواسطته الأعمال الأدبية سواء في ضوء النصوص التي يدرسونها للجاحظ وكالذي نقرأه في الصناعتين لأبي هلال العسكري وكالشواهد من نصوص الشعر والنثر في كتاب عبدالقاهر الجرجاني.
وسواء يقومون بمعيار الموازنة الأعمال الأدبية بين شاعر وشاعر أو بين مدرسة أدبية في النقد وبين مدرسة أخرى.
أما المنهج الأول في الموازنات الأدبية فنلحظه في نقد الجاحظ في كتابه البيان والتبيين من مثل قوله عن حسن البيان ووضوح المعاني بين كلام أديب وأديب يقول علي رحمه الله:
«قيمة كل امرئ ما يحسن فلو لم نقف من هذا الكتاب - يعني ما كتبه علي رحمة الله - إلا على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية ومجزئة مغنية بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية وغير مقصرة عن الغاية .. قال الجاحظ: قال عامر بن عبدالقيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» .
وقال علي بن الحسين بن علي رحمهما الله: لو كان الناس يعرفون جملة الحال في فضل الإستبانة, وجملة الحال في صواب التبيين لأعربوا عن كل تخلج في صدورهم ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى حالهم: قال الجاحظ: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون سواسية كأسنان المشط. وقال الشاعر:
سواء كأسنان الحمار فلا ترى ... لذي شيبه منهم على ناشئ فضلًا
وإذا أنت تبينت التشبيه في القول النبوي وفي هذا البيت أدركت ما بين الكلامين» [1] .
وإيراد الجاحظ الكثير من النصوص من كلام الأنبياء والحكماء والخطباء والشعراء مما زخر به البيان والتبيين إنما هو طريقة من طرق الموازنات الأدبية بين كلام وكلام, وكثيرًا ما يفاضل بين بيت في الحكمة وبيت في الغزل والنسيب وبيت في المديح وآخر في الفخر, وبين خطبة في الجهاد وخطبة في الموعظة وأخرى في المنافرة والمفاخرة.
فهو بهذا العمل الأدبي أول من فتح الموازنات في النقد الأدبي على هذا النحو الذي سار عليه.
بل إن طرق الموازنات ما كان يجري في مجالس العرب ومنتدياتهم من نقد جزئي يقوم على عرض شعر من كلام الأعشى مثلًا وشعر من كلام زهير إلى نماذج من شعر حسان رضي الله عنه وشعر من كلام الخنساء. وغيرهم ويوازن بين كل نص ونص حكم من نقاد الأدب كالذي جرى في الأسواق
(1) البيان والتبيين ص 83 وما بعدها جـ 1.