الصفحة 90 من 141

الأدبية كسوق عكاظ وذي المجنة والمجاز وغيرها من أسواق ومنتديات العرب في الجاهلية وفي الإسلام وصدر دولة بني أمية وكذلك العصر العباسي مما لا مجال لذكره في هذا المدخل الموجز. ويكفي في ذلك ما كان يجري في مجالس الخلفاء العباسيين ممن لهم بصر بالشعر والنثر وحب المطارحات الأدبية. وظلت الحال على ذلك حتى سلكت الموازنات في النقد الأدبي منهجا ًجديدًا يقوم على عرض نصوص الأدب وفق دراسة متكاملة تعتمد على حسن العرض والبرهنة والاحتجاج كالذي في كتاب: الواسطة بين المتنبي وخصومه لعلي بن عبدالعزيز الجرجاني (ت 366 هـ) .

وكتاب الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري للحسن بن بشر الآمدي (ت 370 هـ) ومن ألوان الموازنة في هذين الأثرين النفيسين قول الجرجاني:

«التفاضل - أطال الله بقاءك - داعية التنافس, والتنافس سبب التحاسد وأهل النقص رجلان: رجل أتاه التقصير من قبله وقعد به عن الكمال اختياره, فهو يساهم الفضلاء بطبعه, ويحنو على الفضل بقدر سهمه. وآخر رأى النقص ممتزجا ًبخلقه ومؤثرًا في تركيب فطرته فاستشعر اليأس من زواله, وقصرت به الهمة عن انتقاله فلجًا إلى حسد الأفاضل, واستغاث بانتقاص الأثل » [1] .

ويقول أثناء موازنته بين الشعر الجيد في لفظه ومعناه: وإذا أرادت أن تعرف موقع اللفظ الرشيق من القلب, وعظم غنائه في تحسن الشعر فتصفح شعر جرير وذي الرمة في القدماء والبحتري في المتأخرين, وتتبع نسيب متيمي العرب, ومتغزلي أهل الحجاز كعمر وكثير وجمل ونصيب وإضرابهم وقسهم بمن هو أجود منهم شعرا وأفصح لفظًا وسبكًا ثم انظر وأحكم وأنصف ودعني من قولك: «هل زاد على كذا» وهل قال إلا ما قاله فلان» فأن روعة اللفظ تسبق بك إلى الحكم, وإنما تفضي إلى المعنى عند التفتيش والكشف, وملاك الأمر في هذا الباب خاصة ترك التكلف ورفض التعجل والاسترسال للطبع, وتجنب الحمل عليه والعنف به, ولست أعني بهذا كل طبع, بل المهذب الذي قد صقله الأدب, وشحذته الرواية, وجلته الفطنة وألهم الفصل بين الرديء والجيد, وتصور أمثلة الحسن والقبح.

ومتى أردت أن تعرف ذلك عيانًا وتستثبته مواجهة فتعرف فرق ما بين المصنوع والمطبوع, وفضل ما بين السمح المنقاد والعصي المستكره فاعمد إلى شعر البحتري, ودع ما يصدر به الاختيار, وبعد في أول مراتب الجودة, ويتبين فيه أثر الاحتفال, وعليك بما قاله عن عفو خاطره وأول فكرته كقوله:

ألام على هواك وليس عدلًا ... إذا أحببت مثلك أن ألاما

أعيد في نظرة مستثيب ... توخي الأجر أو كره الأثاما

تري كبدا ًمحرقة وعينا ... مؤرقة وقلبًا مستهاما

تناءت دارة علوة بعد قرب ... فهل ركب يبلغها السلاما

(1) الوساطة ص 1 من المقدمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت