فلما سمع بشار هذا البيت قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتي [1] .
وعن هذه المسألة يقول ابن رشيق في القراضة: «ومما اختصر لفظه واستوجبه قول بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
أخذ سلم الخاسر فقال. واختصره. اختصارًا لطيفًا استوجبه به:
من راقب الناس مات غمًا ... وفاز باللذة الجسور [2]
وكسؤال الأعشى عن معنى لفظة «جريًا لها» في قوله:
وسبيئة مما تعلق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريًا لها
فقال: شربتها حمراء وبلتها بيضاء فبقي حسن لونها في بدني [3] .
وكثيرة هذه المقاييس التي التقى فيها ابن رشيق مع أبي هلال.
وكان من حق العلم وأمانته أن يحيل ابن رشيق ويذكر فضل من تقدمه ولكنه لم يفعل.
ومن جملة القضايا المشتركة نقدًا وبلاغة التي يمكن القول بأن ابن رشيق كان له أثر في منهج من درسوا هذه القضايا ممن عاصره وتوفي بعده بفترة زمنية قريبة كابن سنان الخفاجي (ت 466 هـ) وعبدالقاهر الجرجاني, ولا يبعد أن يكون لهذين العالمين أثر في منهج ابن رشيق فكلاهما معاصر له ولعلهما معًا أو أحدهما سبق ابن رشيق إلى دراسة هذه القضايا فتقع آراء الجميع موقع المشاركة في التساوي في الرأي أو في النقض على حسب ما سنعرض له في هذا الموضع.
ويمكن أن نجد هذه القضايا المشتركة بينه وبين من توفي بعده بفترة طويلة كأسامة بن منقد (ت 584 هـ) في كتابه «البديع في نقد الشعر» وابن كثير (ت 637 هـ) في كتابه «المثل السائر» .
من جملة القضايا المشتركة بين ابن رشيق وبين هؤلاء العلماء ما يلي:
1 -عند ابن سنان الخفاجي في كتابه «سر الفصاحة» نجد شواهد على المطابقة والتجنيس كقوله: «ومن التناسب بين الألفاظ المجانس. وهو:
أن يكون بعض الألفاظ مشتقًا من بعض إن كان معناهما واحدًا .. فما للعرب قول امرئ القيس:
لقد طمح الطامح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائمة ما تلبسا
وهذا الشاهد بعينه ورد في القراضة في موضع الإشهاد على الجناس والمطابقة من قول ابن رشيق: ومن باب المجانسة قول امرئ القيس: لقد طمح الطماح .. البيت.
2 -ونجد شواهد على فن المبالغة التتبيع من قول ابن سنان:
(1) الصناعتين ص 220.
(2) القراضة ص 63.
(3) الصناعتين ص 204 والقراضة ص 98.