«ومن نعوت البلاغة والفصاحة, أن تراد الدلالة على المعنى فلا يستعمل اللفظ الخاص الموضوع له في اللغة, بل يؤتى بلفظ يتبع ذلك المعنى ضرورة فيكون في ذكر التابع دلالته على المتبوع وهذا يسمى «الإرداف والتتبيع» , ولأنه يؤتى فيه بلفظ هو ردف اللفظ المخصوص بذلك المعنى وتابعه, والأصل في حسن هذا أنه يقع فيه من المبالغة في الوصف ما لا يكون في نفس اللفظ المخصوص بذلك المعنى .. ومنه قول امرئ القيس:
وتضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق من تفضل
فإنه لما أراد أن يصف ترف هذه المرأة ونعمتها قال: نؤوم الضحى يبقى فتيت المسك فوق فراشها لم تنتطق لتخدم نفسها, فعبر بذلك عن غناها وترفها وخفض عيشها, وأتى بألفاظ تدل على ذلك أبلغ مما يدل عليه قوله إنها غنية مرفهة.
وكذلك قوله:
وقد أغتدي والطير وفي وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وفي هذا من المبالغة ما ليس في وصف الفرس بأنه سريع .. وقد استحسن الناس قوله: «قيد الأوابد» حتى قالوا: هو أول من قيدها.
وإن هذه النظرة إلى هذه الفنون وأثرها في حسن اللفظ والمعنى في الأسلوب الأدبي هي بعينها نظرة ابن رشيق. فقد قال في القراضة «وأول ما بدأ به من فن الاستعارة قول امرئ القيس:
بمنجرد قيد الأوابد هيكل .. فإنه أو من قيدها .. فاتبعه الناس ولا فرق في الرؤية بين ابن سنان وبين ابن رشيق إلا أن ابن رشيق استخلص المبالغة من خلال الاستعارة في البيت, واستخلصها الخفاجي من خلال «الإرداف» .
ونجد اتفاقهما في الإرداف الكائن في بيت امرئ القيس من قوله:
ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنطق عن تفضل
ذا نظرة واحدة فقد ذكره كل منهما واستشهد به [1] .
ويتفق ابن سنان مع ابن رشيق في إيراد طائفة كثيرة من الشواهد على فن التشبيه وبيان أثره في أداء المعنى وتوكيده.
ولا يبعد أن تكون فضيلة السبق إلى دراسة مثل هذه الفنون لابن رشيق وأن ابن سنان قد تأثر بمنهجه وأفاد منه.
ودليل ذلك السبق وتلك الإفادة أن ابن سنان قيد في خاتمة كتابه «سر الفصاحة» تاريخ فراغه من تأليفه بعام 454 هـ بما نصه:
(1) انظر القراضة لابن رشيق ص 37, وانظر سر الفصاحة لابن سنان ص 221.