الصفحة 52 من 141

ويبقى بعد ذلك قوله: إن بشارًا نقل هذا المعنى الكنائي من قول الطريس بن عبدالله يذكر أن دمًا كان لهم في الأزد فأدركوا بثأرهم:

قضنا شريكًا دينه كان عندنا ... بني عامد والحسن يوصف أحمرا

أقول إن هذا النقل لم يأت إلا من خلال التعبير بالكناية من قول الطريس «والحسن يوصف أحمرا» .

ولكن على الرغم من أن «الطريس» هو السابق فإن استعمال بشار للكناية هنا أجمل وأوثق بالمعنى. لقرب الصلة بين المعنى المراد وبين الكناية عنده فيما استعملها فيه. فبيته في الغزل والغزل هو ذلك الغرض الشعري الذي يفيض فيه الأدباء من الشعراء عن معان الهيام وفرط الصبابة والتهالك على ما يوصل إلى الغاية من الحب مهما كان نوعه.

وفي هذا من المشقة ما يحمل الشاعر غير الشاعر على ركوب الأخطار والمهالك في سبيل الوصول إليه ولو كان لا يبلغه إلا عن طريق حتفه.

أما استعمال هذا الأسلوب الكنائي في بيت «الطريس» فإنه استعمال في من الفخر قد يؤدي الشاعر معناه بأي أسلوب بياني آخر تكون الصلة فيه بالمعنى أوثق كالاستعارة أو التشبيه.

ومن هنا يكون السر الجمال في استعمال الكناية عنده إنما هو الأفضلية في أسلوب الكناية لكونها أبلغ من التصريح. الضد أكثر خطورًا بالبال وأكد في الدلالة على المعنى المراد.

وكلما أصاب الشاعر في استعمال الفن البياني كما في بيت بشار. كلما كان شعره مما يختار ويحفظ, وإلى هذا المقياس النقدي أشار ابن قتيبة قائلًا:

«وليس كل الشعر يختار ويحفظ على جودة اللفظ والمعنى, ولكنه قد يختار ويحفظ على أسباب منها الإصابة في التشبيه, وخفة الروي وغرابته في معناه» [1] .

وقد أصاب بشار في استعمال الكناية أكثر من إصابة «الطريس» لما ذكرت.

ومن أجود المقاييس البلاغية التي درسها ابن رشيق في تقويم الشعر مقياس المبالغة ذلك الفن البلاغي الذي ساقه في خمسة عشر بيتًا نكتفي بذكر شيء منها من شعر امرئ القيس غيرها.

قال ابن رشيق: ومن باب المبالغة قول امرئ القيس يصف حلي امرأة:

كأن على لباتها جمر مصطل ... أصاب غضًا جزلًا وكف بأجزال

وهنا تبين قدرة ابن رشيق في توجيه النقد من خلال فن المبالغة إذ يقول:

«فذكر الجمر وشبه به الحلي ثم ما كفاه إلى أن جعله جمرًا غضًا وهو أبقى ثم جعله جزلًا ليكون أشد لوقوده وأعظم لنوره. وإن كان أراد به الكثير من قولهم: «عطاء جزل» فقد جعلته مختارًا, لأن من وجد

(1) الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 29 نشر دار الثقافة ببيروت الطبعة الثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت