الصفحة 51 من 141

بقي أن نطل على توجيهه لهذا اللون في تضاعيف نقده في القراضة من خلال فن التجنيس.

لا يكاد يتعدى ابن رشيق القول عن الشاهد الذي يسوقه في القراضة هذا حسن جيد, وهذا دون الأول, وهذا فيه زيادة حاز بها الشاعر قصب السبق.

ولكنه لم يتخذ من هذا الفن معايير دقيقه يمكن أن يوزن بها العمل الأدبي للشاعر والناشر فيقول مثلًا: هذا متكلف الجناس, وهذا رديئة وهذا من تمام البيان, وهذا الاستعمال من قبيل الحقيقة وهذا من قبيل المجاز.

فإن هذه المعايير قد أخذ بشيء منها في كتابه العمدة. كما اتخذها نقادا آخرون قبله وبعده.

وعلى هذا فإن طريقته في عرض هذه المقاييس البلاغية من خلال الفنون البلاغية التي أوردها في القراضة قد نحت طريقة الإيجاز الاكتفاء بقوله هذا حسن وهذا قبيح وهكذا ..

وفي الصفحات الثلاثة والعشرين, والثامنة والسبعين, والتاسعة والسبعين. يسوق ابن رشيق عددًا من الأبيات لعدد من الشعراء تضمنت لونًا بيانيًا هو الكناية.

ويكفي أن نورد من هذه الشواهد قول بشار بن برد يخاطب عشيقته:

فإذا خلونا فادخلي ... في الحسن إن الحسن أحمر

أورد صاحب اللسان هذا البيت بلفظ:

فإذا ظهرت تقنعي ... بالحمر إن الحسن أحمر [1]

ولا شك أن رواية صاحب اللسان أقرب وأكد في أسلوب الكناية.

قال ابن رشيق: رواه بعضهم: «في الحمر إن الحسن» وكلا القولين إنما يراد به الثياب وفي قوله: الحسن أحمر ثلاثة أقوال:

أحدها أن فيه مشقة لا ينال إلا بعدها كما يقال: «الموت الأحمر» لما يراق فيه من الدماء, وكأنه كناية عن القتل.

وقول ثان إنه أراد به ظهور الدم في الوجه.

والقول الثالث الحمرة المعروفة لأنها أشهر الألوان وأكثر موافقة لكل من لبسها, وليس غيرها من الألوان كذلك.

هذا التحليل لهذا اللون البلاغي الذي هو كناية في قول بشار من الأسلوب ذي النظرة الأدبية الفاحصة عند ابن رشيق, فقد درس الكناية في بيت بشار من جانبين: جانب نقدي وجانب بلاغي, وهذا يعني أن البلاغة صنو النقد في تقويم الأعمال الأدبية.

(1) لسان العرب مادة حمر جـ 4 ص 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت