الصفحة 50 من 141

سيما المحدثين منهم, وصنف الناس فيه كتبًا كثيرة, وجعلوه أنواعًا متعددة فمنهم عبدالله بن المعتز, وأبو علي الحاتم, والقاضي أبو الحسن الجرجاني, وقدامة بن جعفر الكاتب وغيرهم.

وإنما سمي هذا النوع من الكلام مجانسًا لأن حروف ألفاظه يكون تركيبها من جنس واحد, وحقيقته أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى مختلفًا, وعلى هذا فإنه هو اللفظ المشترك, وما عداه فليس من التجنيس الحقيقي في شيء.

وربما جهل بعض الناس فأدخل في التجنيس ما ليس فيه, وذلك نظرًا إلى مساواة اللفظ دون اختلاف المعنى فمن ذلك قول أبي تمام:

أظن الدمع من عيني سيبقى ... رسومًا من بكائي في الرسوم

فهذا ليس من التجنيس واختلاف المعنى, وهذا البيت هو اتفاق اللفظ والمعنى معًا, وهذا مما ينبغي أن ينبه عليه ليعرف.

وقال ابن النفيس في كتاب طريق الفصاحة: «التجنيس يقال حقيقة ومجازًا والحقيقي نوع واحد وهو أن يستعمل اللفظ تارة في معنى وتارة في غيره ولا يشترط أن يكون ذلك في موضع مخصوص.

وقال التنوخي في الأقصى القريب: «التجنيس من أنواع البديع, ويتعلق بتحسين الألفاظ, وإذا تكلفه المتكلف غير مخل بالبيان اجتمع الحسن والبيان .. وإن أخل متكلفه بالبيان كان البيان أخف منه. وهذا. أعني التجنيس. أن يأتي المتكلم في كلامه بحرفين أو حرف ثم يأتي بها ثانيًا في أثناء الكلام من غير أن يكون بينهما بعد بحيث ينصرف فيه الذهن عن الأول .... إلى آخر ما ذكره التنوخي» [1] .

ولم يستقص أولئك العلماء هذا الفن وفق هذه الدراسات التي بين أيدينا إلا لما أدركوه من أثر محمود يحدثه هذا الفن في تضاعيف العبارة الأدبية من شعر ونثر.

وعلى الرغم من توسع ابن رشيق في دراسة الجناس وإيراده له أنواعًا كثيرة في كتابه العمدة ودراسته له دراسة فنية نقدية اكتفى بعد من شواهد في القراضة.

وكان من الأفضل ومن تمام المنفعة لوضوح الرؤية النقدية في كلام الشعراء الذين استشهد بشعرهم في القراضة. كان من تمام القول أن يورد طائفة من الأشعار على كل لون من ألوان هذا الفن.

كالمماثلة, والترديد, والاشتقاق, والمضارعة, المشاكله, والتصحيف, والتجانس المنفصل, والتجنيس المضاف, والمزجة, والطباق.

تلك التفريعات التي فاض القول فيها والكلام عليها في كتابه العمدة محللا ومناقشًا وناقدًا ومضيفًا.

ولعل عذره في الاجتزاء بشيء من هذا اللون البديعي. أعني الجناس والاكتفاء بالقليل من شواهده في القراضة توسعه فيه واستقصاؤه لجميع فنونه في كتابه العمدة.

(1) جنس الجناس للسيوطي تحقيق الدكتور محمد علي رزق الخفاجي ص 288.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت