إن وجه الحسن في هذه الأبيات الخمسة لامرئ القيس قد تحقق من خلال فن المجانسة والمطابقة مما جعل هذه الأبيات من قبيل الشعر الذي اختص به ولو حاول شاعر إتباعه في معناه فإنه لا محالة سيلجأ إلى التعبير بألفاظه نفسها, لأنه لا يمكن لشاعر متبع أن يبني معناه مجانسًا ومطابقًا بألفاظ أخرى تؤدي المعنى الذي أدركه امرئ القيس.
وهذا من أسرار التعبير بفن التجنيس والمطابقة وغيرهما من فنون البديع كالسجع وغيره.
وقد بين مزية التعبير بمثل هذه الفنون وفضل التجنيس والمطابقة والسجع بخاصة الأستاذ عبدالقاهر الجرجاني في قوله:
وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسًا مقبولًا, ولا سجعًا حسنًا, حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه, وحتى تجده لا تبغي به بدلًا, ولا تجد عنه حولًا, ومن هنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه, وأحقه بالحسن وأولاه ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه, وتأهب لطلبه, أو ما هو لحسم ملاءمته .. » [1] .
ومن هنا ندرك أن هذه الفنون سواء في شعر امرئ القيس أو غيره إنما يكون تأثيرها في المعنى آكد ومتى جاءت بهذه الصورة فإنه يصعب على اللاحق فضيلة الإبداع لاختصاص ذلك بالسابق, وهكذا تصنع فنون البديع في الأسلوب الأدبي صنع البيان من استعارة وتشبيه.
ولفضل التجنيس على سائر فنون البديع, واتخاذه مقياسًا نقديًا في حسن التركيب وجمال المعنى وإيضاحه لكل هذه الخصائص صنف العلماء من البلاغيين والنقاد فيه كتبًا وجاءوا به أنواعًا وأجناسًا مختلفات ومتشابهات ومتفقات.
يقول أسامة بن منقذ في كتاب «البديع» : قال أبو عمرو بن العلاء: جاء في شعر أبي داود الأيادي تجنيس التركيب, والترجيع, والتصحيف, والتحريف, والله العالم هل قصد هذا قصدًا أو أتى به طبقًا».
«وفي نقل هذا عن أبي عمرو نظر, فإن اسم الجناس بأقسامه لم يكن موجودًا في زمانه إنما حدث بعده بدهر.
فقد ذكر علماء البلاغة والنقد أن أول من «اخترع اسم التجنيس عبدالله بن المعتز, وفي جملة ذلك ابن رشيق, وكان اختراع التسمية من ابن المعتز, وفي جملة ذلك ابن رشيق, وكان اختراع التسمية من ابن المعتز سنة مائتين وأربع وسبعين أي بعد موت أبي عمرو» [2] .
ويدل على هذه التسمية المخترعة وتطويرها وتعريفها وحصر أقسامها قول ابن الأثير: «اعلم أن التجنيس غرة شادنة في وجه الكلام, وقد تصرف العلماء من أرباب هذه الصناعة فيه فغربوا وشرقوا لا
(1) أسرار البلاغية ص 7.
(2) العمدة لابن رشيق، جـ 1 ص 331.