يرى ذلك عدد من البلاغيين الذين يعدونهما من الزخرف فينظمونه في المحسنات البديعة اللفظية كما في الدرس البلاغي عند أصحاب المدرسة الكلاسيكية.
هذا الفنان هما المطابقة والتجنيس, أوردهما ابن رشيق في خمسة أبيات كلها من شعر امرئ القيس على حد قول ابن رشيق: «ومن باب المجانسة قول امرئ القيس:
على ظهر عادي يحاربه القطا ... إذ ساقه العود النباطي جرجرا
ولم يشر ابن رشيق إلى معنى هذا البيت ولا إلى موضع الجناس فيه.
أما المعنى: فيصف امرؤ القيس جمله بقوة وسرعة العدو حتى لكأن طير القطا تلاحقه وتسابقه ولكن هذا الجمل المسن من قوله: العود كلما هم بالسير رغا وضج وجرجر أي أخرج جرته, والجرة أن تخرج الدابة شيئًا من طعام بطنها فتلوكه ثم تبتلعه ثم تخرجه وهكذا.
وروى البيت ابن رشيق في العمدة بقول امرئ القيس:
على لاحب لا يعتدي بمنارة ... إذا ساقه العود النباطي جرجرا
واللاحب الطريق الواضح, ولا يهتدي بمنارة أي لا تقوم العلامات الموضوعة عليه بهداية السائر لخلو الطريق منها أو لتهدمها, وسافه بمعنى شمه.
أما الجناس ففي قوله: عادئ والعود, وعده ابن رشيق في العمدة من باب نفي الشيء بإيجابه, وقال: أنه من المبالغة وليس مختصًا بها إلا أنه من محاسن الكلام [1] وعدد من الجناس قول امرئ القيس. أيضًا:
فما قاتلوا عن ربهم وربيبهم ... ولا آذنوا جارًا فيظعن سالما
أما الجناس في البيت الأول ففي لفظتي «طمح الطماح» ولظفتي «يلبسني ما تلبسا» وفي الثاني في قوله: «ربهم وربيبهم» .
قال ابن رشيق: والمطابقة والتجنيس أفضح سرقة من غيرهما, لأن التشبيه وما شاكله يتسع فيه القول, والمجانسة والتطبيق ويضيق فيهما تناول اللفظ. ألا ترى أن طرفة أخذ قول امرئ القيس في صفة جبل فجعله في صفة عقاب, وجعله النابغة في صفة النسور وهو اللفظ والمعنى, ولو تناول شاعر «لقد طمح الطماح» أو قوله: «ليلبسني ما تلبسا» لكان سارقًا بل مكابرًا مصالتًا.
قال ابن رشيق: وكذلك قوله في المطابقة يعني امرئ القيس ك «مكر مفر مقبل مدبر معًا» لا يتناوله أحد على هذه الصيغة إلا افتضح.
ومن المطابقة قوله:
فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الشر لا نقعد
(1) العمدة ص 80 جـ 2.