ووجه الحسن والجمال البلاغي في هذه الشواهد يتضح من خلال فن الاستعارة واشتمال كل نص عليها.
فمعلوم أن استعارة الطب والإعجاز والأرداف لليل في قول امرئ القيس السابق تعبير صور المعنى وأقره في الذهن من خلال جعل الليل كالكائن الحي له صلب وله صدر وعجز وأرداف فأشبه الليل الكائن الحي المتحرك.
وتشعر الألفاظ في نسق البيت بالحركة البطيئة التي عبر عنها ثلاثة أفعال كلها بصيغة الماضي من: تمطى, وأردف وناء.
ثم في ختام البيت بلفظه ناء معنى لطيف يتناسب مع كلكل الليل الذي هو 'خره. فقد جرت العادة بأن يثقل آخر الوقت على ذوي الحاجة وذلك لبلوغ الانتظار منهم مبلغه, فجاء التعبير بلفظة «ناء» متناسقًا مع ذكر آخر الليل, لأن في آخره بطء شديد, وفي ظلال «ناء» ما يحمل هذا المعنى.
أما بيت زهير من قوله: «صحا القلب عن سلمى .. » فوجه حسن الاستعارة فيه ما أشار إليه الخطيب القزويني من أن الشاعر «أراد أن يبين أن ترك ما كان يرتكبه أو أن المحبة من الجهل والغي وأعرض عن معاودته فتعطلت آلاته كأي أمر وطنت النفس على تركه فإنه تهمل آلاته فتتعطل. فشبه الصبا بجهة من جهات المسير كالحج والتجارة قضى منها الوطر فأهملت آلاتها فتعطلت فأثبت له الأفراس والرواحل» [1] على جهة الاستعارة.
قال ابن رشيق: «وقول امرئ القيس في وهو ضرب من الاستعارة:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
مثل قلبه بأعشار الجزور, وعينيها بسهمين من سهام الميسر ولم يعرض له أحد الشعراء.
ويظهر الحسن في هذا التمثيل الذي عده ابن رشيق ضربًا من الاستعارة فيما يلي:
1 -في استعارة سهمي الميسر للعينين.
2 -في استعارة أعشار الجزور للقلب المدنف من الهوى.
3 -في التعبير بذرف العين عن الوجد وما تعانيه المحبوبة من فرط العشق والهيام.
4 -في التعبير ب «تضربي» عن معنى تمكن الحب وتأثيره في النفس والروح والجوانح, وقد زان هذا الأسلوب البياني أسلوب القصر بما وإلا لكأنما قصر الأثر على المؤثر, وقصر نتيجة الأثر على المؤثر فيه.
وبعد أن يستكمل ابن رشيق شواهد هذه الفنون من تشبيه وتمثيل واستعارة. يتحدث عن فنين من فنون البديع كلاهما بلغا مبلغًا كبيرًا في جمال التعبير الأدبي, ولم يقتصر أثرهما على اللفظ دون المعنى كما
(1) الإيضاح للخطيب القزويني ص 156, 157.