ينسل منها لسان تستغيث به ... كما تعوذ بالسبابة الفرق [1]
والحق أن حسن التشبيه وجماله في بيت ابن المعتز لم يكن لمجرد حسن النظم وتقارب الأطراف.
وإنما لمزية أخرى هي قدرة الشاعر على تقريب الصفة وهيئة الحركة في لسان الحية كلما أخرجته للدفاع عن نفسها أو للمس به فإنها تسله في رفق وعجلة وحركة معًا وفي هذه الهيئة وما يقربها من هيئة حركة السبابة حين يرفعها من يستعيذ بالله من شر داهمه وفاجأه.
وهكذا يصنع التشبيه في الأسلوب الأدبي وبخاصة ممن كان شاعرًا مطبوعًا موهوبًا كابن المعتز.
ولا تقل الاستعارة عن فن التشبيه حسنًا وبيانا ًوإيجازًا فقد عول عليها كثير من الشعراء قديمهم وحديثهم في صياغة المعنى, وعن فن الاستعارة يسوق ابن رشيق الشواهد في ص 21 - 111 من القراضة ومن هذه الشواهد قول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجازًا وناء بكلكل [2]
فاستعار لليل صلبًا وأعجازًا, وجعله كالجمل البارك.
ومن ثم أخذ زهير فقال:
صحى القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله
قال ابن رشيق: وهو من محاسن زهير المشهورة, ومفاخره المعدودة, غير أن أصله من حيث رأيت. يشير إلى أنه من قول امرئ القيس السابق.
قال: وتناوله منصور النمري [3] فقال:
وأهدت له الأيام عنهن سلوة ... وعرى من رحل الصبابة غاربه
فانقلب عليه المعنى والتبس ..
والجد قول عمر بن يزيد الشطرنجي:
لقد جل قدر الشيب إن كان كلما ... بدت شيبه يعرى من اللهو مركب
وجاء الطائي فحرفه بقوله:
جعل الصبا جملًا وودع راضيًا ... بالهون يتخذ القعود قعودا
وقال أيضًا يعني الطائي:
كلوا الضيم غضًا واشربوه فإنكم ... أثرتم بعير الظلم والظلم بارك
(1) الفرق الخوف والفرق الخائف, مختار الصحاح للرازي مادة فرق.
(2) الكلكل هنا بمعنى الصدر من كل شيء واستعير لليل, لسان العرب مادة كلل.
(3) منصور بن الزيرقان بن سلمة بن شريك النمري شاعر من أهل الجزيرة الفراتية كان تلميذ كلثوم بن عمر العتابي أدرك خلافة هارون الرشيد وفاز بعطاياه ومات في عهده ترجم له صاحب الشعر والشعراء وصاحب الأعلام.