الصفحة 66 من 141

قال: ومما صنعت - قديمًا - في ذكر الروايات قولي لمولانا أيده الله تعالى - في قصيدة أمدحه بها:

وكأنما راياته ... مشهورة يوم اقتحامه

أيد تشير إلى العدو ... وبسلمه أو بانهزامه

وما أكثر هذه الكثرة وتصرف الناس فيه هذا التصرف لم يسم آخذه سارقًا, لأن المعنى يكون قليلًا ويدعي صاحبه سارقًا مبتدعًا فإذا شاع وتداولته الألسن بعضها من بعض تساوي فيه الشعراء إلا المجيد فإن له فضله أو المقصر فإن عليه درك تقصيره إلا أن يزيد فيه شاعر زيادة بارعة مستحسنة يستوجبه بها ويستحقه على مبتدعه ومخترعه».

انتهى كلامه على هذه النصوص من شعره [1] .

يظهر من كلام ابن رشيق حول أبياته هذه أنه يعدها من البديع المبتكر الذي إن أورده غيره من الشعراء فإنما هو مقلد له ما لم يزد في شعره زيادة يستوجب بها الأفضلية.

وأقول حول ما ذكر: لكن ابن رشيق لم يقرن أبياته بأبيات أخر مما قاله الشعراء قبله أو بعده لنا فضيلة الإبداع والابتكار له إن قصر سابقه وزاد هو عليه. أو قصر لاحقه فاستوجب هو فضيلة الابتكار في معانيه.

ومن ذا الذي يدري؟ فقد يكون شاعر ما قد سبقه إلى معاني هذه الأبيات في قصة غير قصته ومعنى غير معناه أو شبيه به.

حتى ولو حكم لنفسه بشرف اللفظ وقيمته فإن الحكم يبقى معلقًا حتى يعرف من الشاعر الذي سبقه أو احتذاه.

ومعلوم أنه لا يحكم بالإبداع وابتكار المعني حكمًا جزافا ًلأن المعاني كما قال الجاحظ: «اعلم - حفظك الله - أن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ لأن المعاني مبسوطة إلى غاية, وممتدة إلى غير نهاية, وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصلة محدودة» [2] .

وإذا ما دامت المعاني مبسوطة إلى غير نهاية, وممتدة إلى غير نهاية فقد يكون هناك من الشعراء من تناول معاني ابن رشيق وأبدع فيكون له فضل السبق والإبداع قبل ابن رشيق.

وقد يكون هناك من أخذها منه وزاد عليه فيكون له فضل الزيادة.

وينتقل ابن رشيق إلى مقياس آخر من خلال مقياس السرقات فيحدثنا عن نقل المعنى والصفة قائلا في الصفحة التاسعة والستين: «ومن أنواع الأخذ نقل المعنى والصفة كقول عنترة يصف الذباب:

هزجًا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم

فلم يجسر عليه أحد غير أن ذا الرمة نقل معنى الصفة إلى الجندب فقال:

(1) القراضة ص 18, 19.

(2) البيان والتبين للجاحظ ص 76 جـ 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت