الصفحة 65 من 141

السبيل كثيرًا من الجهود التي يدل أكثرها على الذوق السليم, كما يدل على تعمقهم في فهم النص الأدبي لما حصلوه من معرفة به وبصاحبه, ومعلوم أن الوصول إلى المعرفة الأدب فنونه وأغراضه وتراثه عبر عصور الأدب, ويتطلب حفظ طاقة كبيرة للمشهورين والمغمورين من الأدباء على السواء .. حتى يسهل ربط المتقدم بالمتأخر, ويعرف السابق من اللاحق, ويمكن حينئذ الحكم بالتقليد أو بالتجديد.

ومتى قامت دراسة السرقات على نحو من هذا الاتجاه الذي اختطه النقاد القدماء فإن هذا مما يجعل للبحث في السرقات الأدبية قيمة كبيرة, لأن الدراسة العلمية أو التطبيقية في مسائل النقد الأدبي دراسة مجدية, إذ أنها دراسة موضوعية تستملي فيها الأحكام من منهج الموازنات الدقيقة بين الأعمال الأدبية واستخلاص ما حوت من فنون الجمال الغني, وما يكون فيها من الابتكار والاحتذاء وفي مثل هذا المنهج يختفي إلى حد كبير الأثر الذاتي في الأحكام النقدية.

أما اتجاه من عني بدراسة «السرقات الأدبية» من البلاغيين فإنه اتجاه ذو دراسة تقليدية شأنها شأن سائر الموضوعات التي عالجوها علاجًا قاعديًا بعيدًا عن تحكيم الذوق واستشارة العقل» [1] وهذا اللون من دراسة «السرقات» كان المنهج السائد عن القدماء من البلاغيين إلا ما كان من جهود عبدالقاهر الجرجاني الذي ناقش كثيرًا من النصوص من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة, وجيد المنظوم والمنثور من كلام العرب وحللها تحليلًا أدبيًا نقديًا يعتمد على الذوق السليم, ومعرفة خصائص التعبير وأسراره.

وبعد هذا الذي أحسبه قد طال. يمكن أن نقف على مقاييس النقد عند ابن رشيق في القراضة.

أولًا: مقياس السرقات ومبحثه في القراضة:

ناقش ابن رشيق مقياس السرقات في اثنين وعشرين صفحة من القراضة «نسخة المحقق» بدءًا من الصفحة التاسعة عشر وانتهاء بالصفحة العشرين بعد المائة في إبرازه بعض الشواهد على أحد أنواع السرقة الذي هو السلخ.

وجزأ مقياس السرقات - كما مر معنا - إلى أربعة عشر نوعًا من أنواع السرقة [2] .

ويتناول من الشواهد على هذا المقياس طائفة من أشعار القدماء والمحدثين مبتدأ بذكر شيء من شعره إذ يقول:

«وصنعت أنا بديهة بمحضر جماعة من الشعراء منهم عبدالواحد الذواق وإسماعيل المطرز وغيرهما على ظهر الطريق في قصة جرت:

قبلني محتشمًا شادن ... أحوج ما كنت لتقبيله

أمات إذ حيا بأترجة ... عفت فها كنه تأويله

لما تطيرت بمعكوسها ... ضمت بنانًا نحو تقليله

(1) السرقات الأدبية بتصرف ص 3, 4, 5 د. بدوي طبانة.

(2) انظر ص 88 من هذه الدراسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت