الصفحة 68 من 141

وما ذكره ابن رشيق في توجيه نقده لهذين البيتين من خلال مقياس نقل المعنى قد أشرنا إليه أثناء الحديث عن مقاييسه البلاغية حيث «فن التشبيه» ولا داعي لإعادته هنا [1] .

ولكن يبقى شيء آخر لعله من أسباب إجادة ابن الرومي. هذا الشيء هو الغرض من القصيدة التي ورد فيها بيتا ابن الرومي فإنه من الهجا ومعلوم أن الهجاء من أسباب إجادة الشاعر إما لاستثارة عاطفة الغضب عنده أو للنيل منه. بعكس الغرض الذي ورد فيه بيت ابن الدمينة فإنه من شعر المديح وشعر المديح تخبر فيه العاطفة لأنه يملى على الشاعر لرد جميل أو طلب معروف ولا يسلم وإما من تقصير.

وقد أشار النقاد إلى هذه الخصوصية, وسنزيدها إيضاحًا عند الكلام على مقياس «الاختراع الإبداع» .

ويورد ابن رشيق في الصفحة السادسة عشرة بعد المائة الشواهد التالية على هذا المقياس النقدي. أعني مقياس نقل المعنى. قائلًا:

«وإذا كان أبو عبادة في قوله الذي طار به في الخافقين حيث وصف الخصور والأرداف فقال:

رددن ما خففت منه الخصور إلى ... ما في المآزر فاستقلن أردافًا

إنما نقله نقلًا من قول أبي النجم في صفة الأسد:

ناط على الكتفين منه خصفًا ... وابتز منه الصدر بطنًا أهيفا

وأقول إن المعنى الذي في بيت البحتري الذي قال عنه ابن رشيق إنه طار به في الخافقين إنما هو في وصف هيئة مخصوصة تعني دقة الخصر وكبر الأرداف هذا المعنى ليس مما اختص به البحتري فطار به في الخافقين, لأن هذه الصورة التي تتصف بها أي امرأة معناها يوحي للأديب والمتأدب ومن دونهما برسم هذا المعنى في تضاعيف الصورة التي يضمها نسق من الألفاظ وإنما الشأن في أن يكون المعنى غريبًا ولا يعرفه كل أحد حتى يسوقه الشاعر وغير الشاعر في تضاعيف بيت من الشعر أو قطعة من النثر. فيختص وينقله منه غيره.

ولذا فإن معنى أبي النجم كمعنى بيت البحتري فكلاهما ليس غريبًا في الأذهان وإنما هما في قبيل التعبير من هيئة مخصومة فتلك في وصف الخصور وهذه في وصف الأسد.

والفرق بين المعنيين هو في التعبير, «والناس يختلفون فيما بينهم في التعبير عما في أنفسهم من المعاني, بل أن الناس يختلفون في التعبير عن المعنى الواحد نعم قد يتفقون عن المعاني العلمية أو الرياضية مثل (أ = ب) و (ب = ج) , ولكن عندما يراد التعبير الأدبي وخصوصيًا عما تكنه العواطف لا يمكن أن يتفقوا» [2] حتى يقال إن وجه اتفاقهما إنما في نقل هذا من ذاك, وعليه فالحاكم بالنقل في مثل هذا المعنى مردة القطع بأن المعنى للسابق الذي اتسم معناه بصفة الغرابة أي أنه جديد غريب على كل سامع.

(1) انظر ص من هذه الدراسة.

(2) النقد الأدبي لأحمد أمين ص 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت