الصفحة 69 من 141

قال ابن رشيق: وقول أبي الطيب الذي سحر به الألباب حين قال في صفة الجيش والغبار:

جثت كل أرض تربة في غباره ... فهن عليه كالطرائق في البرد

إنما هو من قول ذي الرمة [1] يصف الحمر الوحشية:

فراحت لا دلاج عليها ملاءة ... صهابية من كل أرض تثيرها

وهنا عد ابن رشيق بيت المتنبي منقولًا من معنى ذي الرمة في وصف الحمر الوحشية.

وهذا أمر مسلم به لابن رشيق فهو. أي المعنى. مقصور على ذي الرمة لسبقه المتنبي شعرًا وزمانًا, والمعنى أيضًا يتسم بالغرابة فلم يسبق أحد ذا الرمة إلى تصوير قطيع الغزلان مدلجة في رخوة تثير فوقها غبارًا متطاولا ممتدًا في هيئة الملاءة إلا عدي بن الرقاع [2] في قوله» حمارين وحشيين:

يتعوران من الغبار ملاءة ... بيضاء محكمة هما نسجاها

تطوي إذا وردا مكانا ًمحزنًا ... وإذا السنابك أسهلت نشراها

فيبقى المعنى هنا ما بين ناقل ومنقول حتى يتبين سبق الشاعر زمنًا. وعدي بين الرقاع وذو الرمة من الشعراء صدر الإسلام ودولة بني أمية والأسبق زمنًا ذو الرمة لأنه مات سنة سبع عشرة ومائة 117 هـ أما عدي فقد عاش في خلافة سليمان بن عبدالملك بن مروان فبينهما زمن طويل.

وإذا كان مقياس النقد يحدده الزمن. كما في اتجاه ابن رشيق فإنه في إصابة المعنى الغريب المخترع عند شاعرين ما يمكن أن يحدد بواسطته الأفضلية من خلال جودة النقل كما في بيت ابن الرقاع فإن فيهما من جودة السبك وجمال اللفظ وحسن النظم من خلال أسلوب التقابل بين لفظتي «تطوى, ونشرها» ولفظتي «محزنًا» أي صلبًا وأسهلت في هذا النظم الجيد ما يقصي بالأفضلية لعدي. مع ما اختصت به الملاءة التي هي المشبه به من أوصاف على حد قوله: «بيضاء محكمة هما نسجها إلى آخر ما في البيت الثاني.

فتلك الخصوصية لم يتحقق وجودها في بيت ذي الرمة.

أما مقياس نقل اللفظ بعينه إلى معنى موصوف آخر, ومقياس نقل بعض لفظ البيت ومعناه المشتهر المعتاد فتلك قضية سنتناولها بالتفصيل عند الكلام على قضية الألفاظ والمعاني فهي إحدى المقاييس النقدية التي عني بها ابن رشيق في كتابيه العمدة والقراضة.

ولكن دراسة لها في القراضة وردت بشكل موجز, وكان الأولى أن يتوسع في مقاييس الألفاظ والمعاني, لأنهما المحور الذي يقوم عليه النص الأدبي وبخاصة إذا اتجهت عناية الناقد إلى تقويم الأعمال

(1) ذو الرمة ذكره ابن خلكان وترجم له في الجزء الرابع من الوفيات بما نصه «أبو الحارث غيلان بن عقبة بن بهيش بن حارثة» .

(2) ذكره بن سلام الجمحي عدي بن الرقاع الجاهلي أورد قصته مع الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك وعده من الطبعة السابعة من فحول الإسلام, طبقات فحول الشعر لابن سلام جـ 2 ص 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت