الصفحة 58 من 253

إذا كانت الطبيعة تتجه إلى غايتها بلا شعور في الجماد والنبات، وبالغريزة والشعور في الحيوان، فإنها تتخذ في الإنسان طريقًا آخر هو العقل، فهو أكمل الطرق لتحقيق أسمى الغايات، ووظيفة الإنسان"أن يستكشف في نفسه العقل الطبيعي وأن يترجم عنه بأفعاله، أي أن يحيا وفق الطبيعة والعقل" [1] .

ولذا أطلق زينون عبارته المشهورة"الحياة وفقًا للطيعة"ومعناها أولًا أن يعيش الإنسان على وفاق مع العقل، فاستخدم لفظ الطبيعة مرادفًا للقانون الكبير الذي يحكم العالم، ومن ثم فإن سعادة الإنسان تتحقق إذا عاش وفيًا للطبيعة الكلية، ويوضح لنا هذا التفسير العبارة التي قالها أحد الرواقيين:"كل شيء يلائمني إذا لاءمك أيها العالم. وما جاء في الوقت الملائم بالنسبة إليك، فليس متقدمًا ولا متأخرًا بالنسبة إلي، وكل ماجاءتنى به فصولك أيتها الطبيعة فهو تارة عندي، كل شيء يأتي منك، وكل شيء فيك، وكل شيء يعود إليك" [2] .

الطبيعة إذن بمعناها في العبارة الآنفة الذكر هي قوانين الوجود، وبمعناها الضيق المتصل بسلوك الإنسان هي العقل، وهما أمر واحد في نظر الرواقيين"لأن العالم يسير وفاقًا لقانون العقل، والإنسان الذي يتبع طبيعته العاقلة يتشبه بالعالم الأكبر، والإنسان لا يملك عصيان قوانين الوجود، ولكنه ككائن عاقل - هو الوحيد الذي يطيع هذه القوانين عن وعي وتعمد وإدراك، ابتغاء تحقيق السعادة" [3] .

ولكن كيف تتحقق هذه السعادة؟

وللإجابة على هذا السؤال علينا أن نتبين:

أولًا: الطريقة التي رأوا اتباعها لتحرير النفس من أوهام الأحكام.

(1) الفلسفة الرواقية: د. عثمان أمين ص 159.

(2) الفلسفة الخلقية: د. توفيق الطويل ص 74.

(3) الفلسفة الرواقية: د. عثمان أمين ص 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت