الباب الأول
الفصل الثالث
مذاهب أخلاقية في الفلسفة الحديثة
لم تنقطع الصلة بين النظريات الأخلاقية عند اليونان وبين فلاسفة أوروبا المحدثين، فإن ديكارت مثلا قد ترسم خطى الرواقية وأقر زينون في اعتباره أن أسمى الخيرات هي ممارسة الفضيلة، لأن الفضيلة تتوقف على إرداتنا، ولهذا فإنه كان يرى أن التغلب على هوى النفس أمر أسبق من التغلب على الحظ، وأنه ينبغي على المرء بذل جهده في تغيير رغباته بدلًا من تغيير نظام العالم"وأن يروض نفسه على أن يعتقد أن آراء الإنسان وأفكاره هي كل ما يملك في هذه الدنيا" [1] .
إن النظرة المقارنة لمعالم الأخلاق عند ديكارت وبعض الفلاسفة الآخرين، تؤدي إلى القول بأن"الأخلاق عند ديكارت ليست إلا الأخلاق الرواقية، وما مذهب سبينوزا إلا المذهب الرواقي في ثوب ديكارتي. وما الأخلاق عند كانط إلا أخلاق الرواقيين في لغة جديدة" [2] ، وما مذهب المنفعة إلا مذهب الأبيقوريين في ثوب جديد كما سنرى.
مذهب المنفعة العامة:
علينا قبل دراسية مذهب المنفعة العامة في الفلاسفة الحديثة أن نوضح جذوره الممتدة من أثر مذهب الأبيقوريين اليونان:
ذهب الفيلسوف اليوناني أرستبس إلى أن اللذة هي صوت الطبيعة، وأن الغريزة هي المحرك الأول لأفعال الإنسان مثله في ذلك كمثل الحيوان والطفل، وجعل معيار اللذة والألم هي معيار القياس لخيرية الأفعال وشريتها، وقصر اللذة على اللذات البدنية. وجاء بعده ابيقور فاتفق مع
(1) الفلسفة الرواقية. د. عثمان أمين ص 270.
(2) الفلسفة اليونانية، يوسف كرم ص 233.