الصفحة 64 من 253

سلفه من حيث نشدان الناس للذة - مثل الحيوانات -، بدافع الغريزة. ولكنه رأى أنه مع أن اللذة هي الخير الأعظم إلا أن لها أحيانًا عواقب قد لا تكون خيرًا، فالإفراط في اللذات يؤدي إلى عواقب جسيمة، فنادى بضرورة اجتناب اللذات التي تجر آلامًا؛ لأنها عائقة لتحقيق السعادة. وعارض أرستبس الذي اعتبر اللذة مطلقة، إذ فطن إلى نسبة اللذة لأنها تقاس دائمًا بالألم المقابل لها، كما أعلى ابيقور من ممكن اللذات الروحية، وأصبحت الأخلاق عنده بمثابة تهذيب اللذات النبيلة: كالصداقة والحكمة وما إلى ذلك،"ولم يقف أبيقور عند هذا الحد، بل لقد دعا أيضًا إلى التحكم في الدوافع الدنيا واعتبر الفضيلة مظهرًا من مظاهر"ضبط النفس"وتغلب"القيم العليا"على"القيم الدنيا" [1] ."

وفي العصر الحديث، ظهر المذهب النفعي محاولًا التحايل للعودة إلى تقرير مبدأ اللذة، ولكن مع تدخل"الفكر"لتنظيم اللذات لأنها لو تركت لذاتنا وشأنها لتحولت إلى حشد متناقض فوضوي من الملذات وتأثرت بمجال الوعي كله، بينما العالم متناه ويستحيل أن تتحقق فيه سائر اللذات معًا، إن إدخال التفكير أو التدابير أو التحطم على سلسلة اللذات ينتقل بنا إلى مذهب اللذة معدلًا بعبارة أخرى، يريد مذهب المنفعة لنفسه"أن يكون مجرد تصحيح عقلي لفلسفة اللذة" [2] .

وقد بعث الفلاسفة الفرنسيون في أواخر القرن الثامن عشر تعاليم تشبه تعاليم الأبيقورية. كما تجلت هذه التعاليم في مذهب المنفعة العامة وشغل إنجلترا في القرن التاسع عشر [3] .

وسنقتصر في دراستنا على المذهب النفعي على اثنين من فلاسفة الإنجليز هما أوميابنثام، وجون ستيورات مل.

(1) المشكلة الأخلاقية: د. زكريا إبراهيم ص 122 - 123.

(2) نفسه ص 138.

(3) الفلسفة الخلقية: د. توفيق الطويل ص 96 - 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت